التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩
الخير و الجهاد في سبيله إذا لم يتحقّق في الأرض أو لم يلق جزاءه. و لا قلق على الأجر إذا لم يوفّ في هذه العاجلة بمقاييس الناس، فسوف يوفّاه بميزان اللّه. و لا قنوط من العدل إذا توزّعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد، فالعدل لا بدّ واقع. و ما اللّه يريد ظلما للعباد.
و الاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الّذي تداس فيه القيم و تداس فيه الحرمات. بلا تحرّج و لا حياء. فهناك الآخرة فيها عطاء، و فيها غناء، و فيها عوض عمّا يفوت.
و هذا التصوّر من شأنه أن يفيض السّلام على مجال السباق و المنافسة؛ و أن يخلع التجمّل على حركات المتسابقين؛ و أن يخفّف السعار الّذي ينطلق من الشعور بأنّ الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود!
و معرفة المؤمن بأنّ غاية الوجود الإنساني هي العبادة، و أنّه مخلوق ليعبد اللّه. من شأنها- و لا شكّ- أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء. ترفع شعوره و ضميره، و ترفع نشاطه و عمله، و تنظّف وسائله و أدواته. فهو يريد العبادة بنشاطه و عمله؛ و هو يريد العبادة بكسبه و إنفاقه؛ و هو يريد العبادة بالخلافة في الأرض و تحقيق منهج اللّه فيها. فأولى به ألّا يغدر و لا يفجر؛ و أولى به ألّا يغشّ و لا يخدع؛ و أولى به ألّا يطغى و لا يتجبّر؛ و أولى به ألّا يستخدم أداة مدنّسة و لا وسيلة خسيسة. و أولى به كذلك ألّا يستعجل المراحل، و ألّا يعتسف الطريق، و ألّا يركب الصعب من الأمور. فهو بالغ هدفه من العبادة بالنيّة الخالصة و العمل الدائب في حدود الطاقة. و من شأن هذا كلّه ألّا تثور في نفسه المخاوف و المطامع، و ألّا يستبدّ به القلق في أيّة مرحلة من مراحل الطريق. فهو يعبد في كلّ خطوة؛ و هو يحقّق غاية وجوده في كلّ خطرة. و هو يرتقي صعدا إلى اللّه في كلّ نشاط و في كلّ مجال.
و شعور المؤمن بأنّه يمضي مع قدر اللّه، في طاعة اللّه، لتحقيق إرادة اللّه. و ما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة و السّلام و الاستقرار؛ و المضيّ في الطريق بلا حيرة و لا قلق و لا سخط على العقبات و المشاقّ؛ و بلا قنوط من عون اللّه و مدده؛ و بلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء.
و من ثمّ يحسّ بالسلام في روحه حتّى و هو يقاتل أعداء اللّه و أعداءه. فهو إنّما يقاتل للّه، و في سبيل اللّه، و لإعلاء كلمة اللّه؛ و لا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض ما من أعراض هذه الحياة.
و كذلك شعوره بأنّه يمضي على سنّة اللّه مع هذا الكون كلّه. قانونه قانونه، و وجهته وجهته. فلا