وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٧
وإنّما كثر وقوعهما فيه ؟ لأنّ الشاعر يحتاج إليهما فرخّصوا له في ارتكاب التقديم والتأخير كما قالوا في قول الفرزدق[٦٧٩] :
وما مثله في الناس إلّا مملّكاً أبو أُمّــه حيّ أبـــوه يقــاربـه
ففيه فصل بين المبتدأ والخبر ـ أعني «أبو أُمّه أبوه» ـ بالأجنبيّ الذي هو «حيّ» ، وبين الموصوف والصفة ـ أعني «حيّ يقاربه» ـ بالأجنبيّ الذي هو «أبوه» ، وتقديم المستثنى ـ أعني «مملّكاً» ـ على المستثنى منه ـ أعني «حيّ» ـ ولهذا نصبه في الكلام المنفي وإلّا فالمختار البدل ، لأنّ تقديم التابع على المتبوع مع إبقائه على التابعيّة ممنوع فجعلوه منصوباً على الاستثناء ، فهذا التقديم والتأخير شائع الاستعمال لكنّه أوجب التعقيد وأخرج الكلام عن الفصاحة وهو وإن كان جائزاً في كلام الناس لم يجز في كلام الله لأنّه بلغ حدّ الإعجاز ولا يشتمل على غير الصحيح الفصيح .
فإن قالوا : التقديم والتأخير هنا لِنُكتةٍ وهي إفادة الترتيب ؟
قلنا : ذلك باطل بالإجماع ، لأنّ الواو لا تدلّ على الترتيب بل لمطلق الجمع ، والمفيد لذلك هو الفاء وثُمَّ .
والثاني : أنّ القول بالتقديم والتأخير في كتاب الله بما يوجب التعقيد ـ وإن
[٦٧٩] البيت للفرزدق وليس في ديوانه اُنظر الخصائص ١: ١٤٦ ، ومعاهد التنصيص ١: ٤٣. والشاهد فيه: التعقيد وهو أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد. والمعنى فيه «وما مثله» يعني الممدوح ، «في الناس حيُّ يُقاربه» ؛ أي: أحد يشبهه في الفضائل «إلّا مملكا» فالضمير في «اُمّه» للملك ، وفي «أبوه» للممدوح ففصل بين «أبو أمّه» وهو مبتدأ و «أبوه» وهو خبر بأجنبي وهو قوله «حيّ» ، كما فصل بين «حي» ونعته ، وهو قوله »يُقاربه» بأجنبي وهو «أبوه» ، وقدّم المستثنى على المستثنى منه.