وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٤٨
أصلها ، فلا يحمل القرآن على الاستعمالات الشاذّة التي لا يعرفها الفصحاء ، لأنّ القرآن فصيح بالإجماع ، ولميقدر الفصحاء أن يأخذوا عليه مأخذاً ، ولو كان فيه غير الفصيح لأمكنهم ذلك ، لكن الأمر لم يكن كذلك .
فثبت أنّ هذه العبارة ـ تمسّحت ، بمعنى اغتسلت ـ لم يشهد بصحّتها العرب الموثوق بعربيّتهم ، وشاهد ذلك أنّ العرب قبل الإسلام لم يعرفوا هذا المعنى وجملة : «تمسّحت للصلاة» دليل على كذب حكايتها عن العرب ، لأنّ (الصلاة) إنّما حدثت بعد الإسلام ، وأنّها من المعاني الشرعيّة التي اختلف فيها الأُصوليّون : أهي حقيقة شرعيّة بعد النقل من المعاني الوضعيّة أم لا ؟ فكيف تقول العرب (تمسحت للصلاة) قبل تشريع الصلاة في الإسلام؟!
وثانياً : لو تنزّلنا وقلنا بأنّ العبارة مَنْقُوْلَةٌ عن العرب ، هم الموثوق بهم بعد الإسلام ، لكان مجازاً وتوسّعاً من عندهم ، لأنّهم أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ مختصر ، فحيث لا يمكنهم أن يقولوا : «اغتسلت للصلاة» ؛ لأنّ في الطهارة ما ليس بغسل ، ومن جهة أُخرى لا يريدون أن يُطِيلوا ويقولوا : «تمسّحت» و«اغتسلت» فقالوا بدلاً منه : «تمسّحت للصلاة» ؛ لأنّ الغسل أوله المسح في الأكثر ، ثمّ يزيد عليه فيصير غسلاً ، ولا يتحقق الغسل إلّا بالمسح ؛ لأنّ صب الماء لو لم يتقارن مع المسح لما تأكد الغسل عند عامة الناس ، فرجّح «تمسّحت» على اغتسلت ، وبذلك يكون معناه على التجوّز والتوسّع كما قلنا ، وأنّه سمّي الكل بأسم الجزء ، وهو شائع .
وأمّا ما قالوه في تحديد «الأرجل» بالغاية وأنّه يدلّ على الغسل ، وأنّ الممسوح لم يضرب له غاية في الشريعة .