وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٧
٧٢ ـ البناء صاحب الإتحاف (ت١١١٧ ﻫ)
قراءة النصب ـ نقلها البناء صاحب الإتحاف عن نافع وابن عامر وحفص والكسائيّ ويعقوب الحضرميّ ـ على «الأيدي» ، وحكم عليها بالغسل كالوجه على وفق قاعدة العطف والتشريك ، وجعل جملة «وامسحوا» معترضة بين المتعاطفين ، ثمّ ادّعى أنّ ذلك كثير في القرآن وكلام العرب[٨٩٩] .
أقول :
حمل جملة المسح على الاعتراض دليل على الجهل بقواعد النحويّين ورجم بالغيب ، فإنّ الجملة الاعتراضيّة لها مواطن خاصّة بها وليس هذه منها ، وأنا أذكر المواضع واحدة تلو الأُخرى حتّى يتبيّن لك فساد هذا القول ، ولم يعبّر عن هذا بالاعتراض أحد ممّن سبق صاحب الإتحاف ، حيث كانوا عارفين بمواضعها[٩٠٠] ، بل عبّروا بالفاصل وغيره .
[٨٩٩] إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر ١: ٢٥١.
[٩٠٠] الجملة المعترضة من الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب ، وهي المعترضة بين شيئين لإفادة الكلام تقويةً وتسديداً أو تحسيناً. ومواطنها سبعة عشر كما ذكره ابن هشام ، وليس فيها ما قاله صاحب الاتحاف ، وإليك الان كلام ابن هشام في مغني اللَّبيبِ:
وأمّا المواطن:
فالأوّل: بين الفعل والفاعل ، كقول جويرية بن زيد أو حويرثة بن بدر:
وقد أدركتني ـ والحوادث جمّة ـ أَسِنَّةُ قومٍ لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ
راجع: المغني ٢: ٥٠٦.
والثاني: بين الفعل والمفعول ، كقول أبي النجم العجليّ:
وبُدِّلَتْ ـ والدهــر ذو تبــدّلٍ ـ هَــيْفاً دَبُوراً بالصَّــبَا والشَّمْأَلِ
والثالث: بين المبتدأ والخبر ، كقول معن بن أوس المزنيّ:
وفيهنّ ـ والأيّام يَعثرن بالفتى ـ نــوادِبُ لا يــملــلنه ونــوائحُ
ومنه الاعتراض بجملة الفعل الملغى في أفعال القلوب ، نحو: «زيد ـ أظنُّ ـ قائم» ، وبجملة الاختصاص ، نحو: قول هند بنت طارق الاياديّة أو هند بنت عقبة أُمّ معاوية لعنهما الله:
نحـــن ـ بـــنـــاتِ طـــارِقْ ـ نــمــــشــي علــى النَّـمـارِق
والرابع: بين ما أصله المبتدأ والخبر ، كقول الفرزدق:
وإنّي لــرامٍ نَـــظْرَةً قِبَلَ التي لعلّي ـ وإن شَطَّتْ نَواها ـ أَزُورُها
وذلك بتقدير «أزورها» خبر «لعلّ» ، وتقدير الصلة محذوفة ، أي: «التي أقول لعلّي».
وقول أبي المنهال عوف بن مُحَلَّم الشيبانيّ:
إنّ الــثمـانـيـن ـ وبلغـــتـها قــد أحوجَتْ سمعي إلى ترجمانْ
والخامس: بين الشرط والجواب ، نحو قوله تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ـ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ـ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ. ونحو: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ـ وَلَنْ تَفْعَلُوا ـ فَاتَّقُوْا النَّارَ.
والسادس: بين القسم وجوابه ، كقول النابغة الذبيانيّ:
لعمري ـ وما عمري عليّ بهيّنٍ ـ لقــد نطقَتْ بُطْلاً علَيّ الأقارِعُ
وقوله تعالى: قَالَ فَالْحَقُّ ـ وَالْحَقَّ أَقُولُ ـ لَأَمْلَأَنَّ.
الأصل: أُقسم بالحقّ لأملنّ وأقول الحقَّ ، فانتصب الحقّ الأوّل ـ بعد إسقاط الخافض ـ «بأُقسم» محذوفاً والحقّ الثاني بـ «أقول» ، واعترض بجملة «أقول الحقّ» ، وقدّم معمولها للاختصاص.
والسابع: بين الموصوف والصفة ، نحو قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ ـ لَوْ تَعْلَمُونَ ـ عَظِيمٌ.
والثامن: بين الموصول والصلة كقول جرير:
* ذاك الذي ـ وأبيك ـ يعرف مالكاً *
والتاسع: بين أجزاء الصِّلة ، نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا ـ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ فإنّ جملة «ترهقهم ذلّة» معطوفة على «كسبوا» ، فهي من الصلة وما بينهما اعتراض بيّن به قدر جزائهم ، وجملة مَا لَهُم مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ خبر.
والعاشر: بين المتضايفين ، كقولهم: «هذا غلام ـ و الله ـ زيدٍ».
والحادي عشر: بين الجارّ المجرور ، كقوله: «اشتريته بـ ـ «أرى» ـ ألف درهمٍ».
والثاني عشر: بين الحرف الناسخ وما دخل عليه ، كقول أبي الغول الطهويّ:
كأنّ ـ وقد أتى حول كميل ـ أثافيها حمامات مُثولُ
والثالث عشر: بين الحرف وتوكيده ، كقول رؤبة:
ليت ـ وهل ينفـع شـيـئاً ليـتُ ـ ليتَ شـباباً بُوْعَ فاشـتـريتُ
والرابع عشر: بين حرف التنفيس والفعل ، كقول زهير:
وما أدري ـ وسوف ـ إخالُ ـ أدري ـ أقـــومٌ آل حِصْــنٍ أم نِـــساءُ
وهذا الاعتراض في أثناء اعتراض آخر ، فإنّ «سوف» وما بعدها اعتراض بين «أدري» وجملة الاستفهام.