منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٣٨ - الفصل الرّابع في صفة حيائه
..........
و منها حياء العبوديّة؛ و هو حياء يمتزج بين محبّة و خوف و مشاهدة عدم صلاحيّة عبوديّته لمعبوده؛ و أنّ قدره أعلى و أجلّ منها، فعبوديّته له توجب استحياء منه لا محالة.
و منها حياء المرء نفسه، و هو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص و قنعها بالدّون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه حتّى كأنّ له نفسين يستحي بإحداهما من الأخرى، و هذا أكمل ما يكون من الحياء. فإنّ العبد إذا استحيا من نفسه؛ فهو بأن يستحي من غيره أجدر. انتهى.
(و مزاحه)- بكسر أوله- مصدر «مازحه»؛ فهو بمعنى الممازحة، يقال:
مازحه ممازحة و مزاحا؛ كقاتله مقاتلة و قتالا. و المزاح- بالضمّ- مصدر سماعيّ، و القياس الكسر؛ لقول ابن مالك:
لفاعل الفعال و المفاعلة * * * ................ ............
و هو الانبساط مع الغير؛ من غير إيذاء له، و به فارق الاستهزاء و السّخرية.
و إنّما كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يمزح!! لأنّه كان له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع به و التلقّي عنه. و لذا سئل بعض السلف عن مزاحه؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة و الطلاقة و البشاشة.
و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يمزح؛ و يقول: «إنّ اللّه لا يؤاخذ المزّاح الصّادق في مزاحه». لكن لا ينبغي المداومة عليه، لأنّه يتولّد عنه الضّحك، و يتولّد عن الضّحك قسوة القلب، و يشغل عن ذكر اللّه تعالى؛ و عن الفكر في مهمات الدّين، و يؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، لأنه يوجب الحقد و يسقط المهابة، فالإفراط فيه منهيّ عنه، و المباح: ما سلم من هذه الأمور، بل إن كان لتطييب نفس المخاطب و مؤانسته؛ كما كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يفعله على ندور؛ فهو سنة. و ما أحسن قول الإمام الشافعي (رحمه الله):