منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٩٨ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
المجلس، و يأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه.
(المجلس) أي: يجلس في أيّ مكان يلقاه خاليا، و لا يترفّع على أصحابه لمزيد تواضعه و مكارم أخلاقه، حيث لم يتكلّف خطوة زائدة على الحاجة لحظّ نفسه حتى يجلس في صدر المجلس.
و لأن القصد من قطع الطريق و تعب المشي للبلوغ و الوصول إلى القوم، فإذا وصل إلى أوّلهم كان المشي بعد ذلك عبثا و تكبّرا لا يليق بحال العاقل؛ فضلا عن الفاضل؛ فضلا عن أفضل الناس!!
(و يأمر بذلك) أي: بالجلوس حيث ينتهي به المجلس؛ إعراضا عن رعونة النفس و أغراضها الفاسدة.
و قد ورد أمره بذلك فيما رواه الطبرانيّ، و البيهقيّ؛ عن شيبة بن عثمان مرفوعا: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس؛ فإن وسّع له فليجلس، و إلّا فلينظر إلى أوسع مكان يراه؛ فليجلس فيه».
و بالجملة فقد ثبت مشروعية ذلك فعلا و أمرا.
(يعطي كلّ) واحد من (جلسائه بنصيبه)، أي: شيئا بقدر نصيبه؛ أي:
حظّه من البشر و الطلاقة و الكرامة و التعليم و التفهيم؛ بحسب ما يليق به، فالمفعول الثاني مقدّر. و قيل: إن الباء زائدة في «بنصيبه» الذي هو المفعول الثاني للتأكيد.
(لا يحسب)- بفتح السين و كسره؛ أي: لا يظنّ- (جليسه) الإضافة للجنس؛ فيشمل كلّ واحد من مجالسيه (أنّ أحدا) من أمثاله و أقرانه (أكرم عليه) صلى اللّه عليه و سلم (منه)؛ أي: من نفسه.
و ذلك لكمال خلقه و حسن معاشرته لأصحابه، فكان يظنّ كلّ واحد منهم أنّه أقرب من غيره إليه، و أحبّ الناس عنده، لما تبيّن له من عظيم بشره و تقريبه.
و هذا هو الكمال الأعظم!