منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١٩ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
و قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ...
و يؤيد القول الأول: ما رواه البخاري من أنّ عيينة بن حصن استأذن له الحرّ بن قيس على عمر بن الخطاب في الدخول، فدخل عليه، و قال له: يا ابن الخطاب؛ ما تعطينا الجزل، و لا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر (رضي الله تعالى عنه)، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين؛ إنّ اللّه عز و جل قال لنبيه ص خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف] و إنّ هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر (رضي الله تعالى عنه)؛ و كان وقّافا عند كتاب اللّه تعالى. فهذا يدلّ على أنّها غير منسوخة، و هو الذي يتبادر إليه كلام صاحب «الجلالين».
قال جعفر الصادق: ليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية؛ روي أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) لما نزلت هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها؟! فقال له: حتى أسأل العالم بها، ثم ذهب و أتاه، فقال: يا محمد؛ إنّ اللّه يأمرك أن تصل من قطعك، و تعطي من حرمك، و تعفو عمّن ظلمك.
قال السيوطي: رواه ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ؛ في «تفاسيرهم»، و ابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق»، و وصله ابن مردويه من حديث جابر (رضي الله تعالى عنه)، و عزاه الشيخ قاسم الحنفي للبخاري؛ عن عبد اللّه بن الزبير في قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) أنّه قال:
ما أنزل اللّه هذه الآية إلا في أخلاق الناس. و له في رواية أخرى تعليقا؛ عن عبد اللّه قال: أمر اللّه تعالى نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يأخذ العفو من أقوال الناس، أو من أخلاق الناس.
انتهى؛ قاله الخفاجي.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة النحل (. إِنَّ اللَّهَ)- أي:
فيما أنزله تبيانا لكل شيء و هدى و بشرى- (يَأْمُرُ)- آثر صيغة الاستقبال فيه و في ما بعده لإفادة التجدّد و الاستمرار- (بِالْعَدْلِ)؛ أي: التوحيد، أو الإنصاف.
و في «البيضاوي»: أي بالتوسّط في الأمور؛