منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٧٨ - الفصل الخامس في صفة تواضعه
و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا ..
قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا .. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا».
كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أشدّ النّاس لطفا، و اللّه؛ ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد؛ و لا أمة أن يأتيه بالماء فيغسل (صلّى اللّه عليه و سلم) وجهه و ذراعيه. و ما سأله سائل قطّ إلّا أصغى إليه؛ فلا ينصرف حتّى يكون هو الّذي ينصرف، و ما تناول أحد يده قطّ إلّا ناوله إيّاها، فلا ينزعها حتّى يكون هو الّذي ينزعها منه.
قال في «المواهب»: إنّ هذا كلّه من كثرة تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لبروزه للناس و قربه و صبره على المشاقّ لأجل غيره؛ خصوصا امرأة في عقلها شيء. انتهى مع شيء من الشرح.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»؛ عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما) قال: (كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا صلّى بالنّاس الغداة)؛ أي: الصبح (أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا؛ قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا؛ قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا!») أي: لنعبّرها له، لأنّه محبّ لأصحابه؛ و سيّد العارفين بالتعبير، و المطلوب قصّ الرؤيا على حبيب عارف بالتعبير.
قال الحكيم الترمذيّ: كان شأن الرؤيا عنده عظيما؛ فلذلك كان يسأل عنها كلّ يوم، و ذلك من إخبار الملكوت من الغيب، و لهم في ذلك نفع في أمر دينهم؛ بشرى كانت؛ أو نذارة؛ أو معاتبة. انتهى.
و قال القرطبيّ: إنّما كان يسألهم عن ذلك؟!! لما كانوا عليه من الصلاح و الصدق، و علم أنّ رؤياهم صحيحة؛ يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، و ليسن لهم الاعتناء بالرؤيا و التشوّق لفوائدها، و يعلّمهم كيفية التعبير، و ليستكثر من الاطلاع على الغيب.