منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٦٩ - الفصل الخامس في صفة تواضعه
و أسكنهم من غير كبر، ...
تجلّي نور الشهود في قلبه، لأنه حينئذ يذيب النفس و يصفّيها عن غش الكبر و العجب، فتلين و تطمئنّ للحق و الخلق؛ بمحو آثارها، و سكون وهجها، و نسيان حقّها، و الذهول عن النظر إلى قدرها.
و لمّا كان الحظّ الأوفر من ذلك لنبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلم) كان أشدّ النّاس تواضعا. و حسبك شاهدا على ذلك أنّ اللّه خيّره بين أن يكون نبيّا ملكا؛ أو نبيّا عبدا؛ فاختار أن يكون نبيّا عبدا!! و من ثمّ لم يأكل متّكئا بعد حتى فارق الدنيا.
و قال: «أجلس كما يجلس العبد، و آكل كما يأكل العبد»، و لم يقل لشيء فعله خادمه أنس «أفّ» قطّ، و ما ضرب أحدا من عبيده و إمائه، و هذا أمر لا يتّسع له الطبع البشري؛ لو لا التأييد الإلهي، و كذا الأخبار الآتية فكلّها دالّة على شدّة تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلم).
(و أسكنهم)- بالنون- أي: أكثرهم سكونا (من غير كبر).
قال الحافظ العراقيّ: روى أبو داود و ابن ماجه؛ من حديث البراء:
فجلس و جلسنا كأنّ على رءوسنا الطير. و لأصحاب «السنن»؛ من حديث أسامة بن شريك: أتيت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه كأنّما على رءوسهم الطير.
و في «الشمائل» للترمذي: أطرق جلساؤه كأنّما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا.
و في «الشمائل» لأبي الحسن بن الضحاك؛ من حديث أبي سعيد الخدري:
دائب الإطراق. و سنده ضعيف. أي: دائم السكون.
و قوله «كأنّما على رءوسهم الطير» كناية عن كونهم عند كلامه (صلّى اللّه عليه و سلم) على غاية تامّة من السكوت و الإطراق، و عدم الحركة، و عدم الالتفات، أو عن كونه مهابين مدهوشين في هيئته، لما أنّ كلامه عليه أبّهة الوحي و جلالة الرسالة.
و أصل ذلك: أنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا أمر الطير بأن تظلّل على