منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٥٩ - الفصل الرّابع في صفة حيائه
فجعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «من يشتري هذا العبد؟»، فقال: يا رسول اللّه؛ إذن و اللّه تجدني كاسدا، فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «لكن عند اللّه لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند اللّه غال» ...
(فجعل) أي: شرع (النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «من يشتري هذا العبد!؟») أي: من يشتري مثل هذا العبد في الدّمامة، أو من يستبدله منّي بأن يأتي بمثله، فلما فعل ذلك معه ملاطفة نزّله منزلة العبد.
و يؤخذ من ذلك جواز رفع الصوت بالعرض على البيع، و جواز تسمية الحرّ عبدا، و مداعبة الأعلى مع الأدنى.
(فقال) أي زاهر (: يا رسول اللّه؛ إذن)؛ واقعة في جواب شرط محذوف.
أي: إن بعتني على فرض كوني عبدا إذن (و اللّه تجدني كاسدا) رخيصا، لا يرغب فيّ أحد لدمامتي و قبح منظري.
(فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم))؛ أي: مدحا له.
و يؤخذ جواز مدح الصّديق بما يناسبه (: «و لكن عند اللّه لست بكاسد») أي: لكونك حسن السريرة؛ و إن كنت دميما في الظاهر
(أو) شكّ من الراوي (قال: «أنت عند اللّه غال»)- بغين معجمة- و هو ضدّ الكاسد، و ذلك ببركة محبّته (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قد تضمّن هذا الحديث حكما عليّة و أسرارا جليّة، لأنّه لمّا أتاه المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) وجده مشغوفا ببيع متاعه، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعد عن الحقّ، و يشتغل عن اللّه تعالى؛ فاحتضنه احتضان المشفق على من أشفق عليه، فشقّ عليه الاشتغال بما يهواه، فقال: أرسلني لما أنا فيه!!. فلما شاهد جمال الحضرة العليّة اجتهد في تمكين ظهره من صدره ليزداد إمدادا، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) تأديبا له: «من يشتري هذا العبد»!! إشارة إلى أنّ من اشتغل بغير اللّه فهو عبد هواه.
فببركته (صلّى اللّه عليه و سلم) حصلت منه الإنابة و صادفته العناية، فلذلك بشّره النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بعلوّ