منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٣١ - الفصل الثّالث في صفة أمانته
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «و اللّه إنّي لأمين في السّماء، أمين في الأرض». و ورد أنّ أبا جهل قال للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): إنّا لا نكذّبك، و ما أنت فينا بمكذّب، و لكن نكذّب بما جئت به. فأنزل اللّه فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
ففرش (صلّى اللّه عليه و سلم) رداءه المبارك، و وضع الحجر عليه، و أمر كلّ رئيس أن يأخذ بطرف منه، و هو آخذ من تحته، فلما فعلوا ذلك و حملوه إلى قرب موضعه أخذه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة فوضعه في ركن البيت، ثم بنى عليه، فكان شرف الوضع له.
(و قال (صلّى اللّه عليه و سلم)) فيما رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن أبي رافع (: «و اللّه؛ إنّي لأمين في السّماء)؛ أي: عند اللّه و ملائكته المقرّبين (أمين في الأرض») عند المؤمنين و غيرهم من المجرمين، لكمال أمانته و ظهور ديانته، و عدم خلفه في وعده، و تحقّق صدقه؛ يعني أنّه مشهور بذلك بين الملأ الأعلى و بين أهل الأرض.
و فيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه، مؤكّدا بالقسم؛ إذا دعت الحاجة إلى إظهار ذلك.
(و ورد) فيما رواه الترمذيّ، و الحاكم عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) (أنّ أبا جهل) لعنه اللّه (قال للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): إنّا لا نكذّبك)- بالتشديد، و [لا نكذبك] بالتخفيف- أي: لا ننسبك إلى الكذب، (و ما أنت فينا بمكذّب) لثبوت صدقك، (و لكن نكذّب) بالتشديد لا غير (بما جئت به)؛ من القرآن و الإيمان بالتوحيد و البعث و نحو ذلك، فدلّت هذه المناقضة الظاهرة على أن كفر أكثرهم كان عنادا.
( [فأنزل اللّه) فيما قاله، و هو سبب نزول هذه الآية (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [٣٣/ الأنعام]) بالتشديد، و قرأ نافع و الكسائي [لا يُكَذِّبُونَكَ] بالتخفيف (الآية]) أي: اقرأ الآية، و تمامها وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) [الأنعام] أي:
ينكرونه، فتكذيبهم في الحقيقة راجع إلى ربهم، ففيه وعيد أكيد و تهديد شديد لهم، و تسلية له (صلّى اللّه عليه و سلم).