منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٩٢ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال اللّه الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك و لا من مال أبيك.
فسكت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ثمّ قال: «المال مال اللّه، و أنا عبده»، ثمّ قال: «و يقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي». قال:
لا. قال: «لم؟»، قال: لأنّك لا تكافىء بالسّيّئة السّيّئة.
فضحك النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، ...
و الكتف، أو موضع الرداء من المنكب. و هو يؤنّث و يذكّر، و في رواية أنّ البرد انشقّ، و لم يتأثّر (صلّى اللّه عليه و سلم) من سوء أدبه.
(ثمّ قال) أي: الأعرابيّ على عادة أجلاف العرب (: يا محمّد؛ أحمل لي)- بفتح الهمزة- أي: أعطني ما أحمل (على بعيريّ) بالتثنية مضافا إلى ياء المتكلم (هذين) أي: حمّلهما لي طعاما (من مال اللّه الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي) أي: لا تعطيني (من مالك، و لا من مال أبيك!!
فسكت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)) حلما و كرما، (ثمّ قال: «المال مال اللّه؛ و أنا عبده») أي: أتصرف في ماله بإذنه، و أعطي من يأمرني بإعطائه، فردّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بألطف ردّ.
(ثمّ قال) أي: النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) (: «و يقاد منك)؛ من القود و هو القصاص، و هو هنا مجاز عن مطلق المجازاة، أي: أ تجازى على ترك أدبك (يا أعرابيّ)، يشير به إلى أنّه معذور لما فيه من غلظ الأعراب و هم أهل البادية (ما فعلت بي») من جذب بردي بأن يفعل به مثله، أو يعزّر بما يليق به.
(قال) أي الأعرابي (: لا) أي: لا يقاد مني. (قال: «لم»؟!) أي: لأي شيء لا يقاد منك؟ (قال: «لأنّك لا تكافىء) بهمزة أي: لا تجازي (بالسّيّئة السّيّئة)، بل تجازي بالسيئة الحسنة، و فيه مشاكلة، لأنّ الجزاء ليس بسيئة.
(فضحك النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)) سرورا بما رآه من حسن ظنّه به، و أنّه لم يفعل ذلك بقصد التنقيص منه، و تطمينا لقلبه إذ أبدى المسرّة بمقالته، و هذا يقتضي أنّه كان مسلما غير أنّ فيه جفاء البادية.