منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٧١ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
و المداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا.
و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته و الرّفق في مكالمته، و مع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، و فعله معه حسن عشرة، و قد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق و حارب، ...
و في الحديث: «ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة»، فإذا استكفى الإنسان ما يخافه من شرّ الأشرار بما لا يضرّه في دينه؛ لم يكن عليه في ذلك جناح؛ إن شاء اللّه تعالى، و هذا إنّما يكون عند الابتلاء بالأشرار.
و من البذل لين الكلام، و ترك الإغلاظ في القول، و الرفق بالجاهل في التعليم؛ و الفاسق في النهي عن فعله و ترك الإغلاظ عليه؛ حيث لم يظهر ما هو فيه، و الإنكار عليه بلطف حتّى يرتدع عمّا هو مرتكبه، فكلّ هذا من أنواع المداراة.
(و) أما (المداهنة)! فهي (: بذل الدّين لصلاح الدّنيا)، كأن يترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئا من الدنيا، و ذلك واقع كثيرا، و قلّما فعل ذلك أحد؛ إلّا أذلّه اللّه و أهانه، و سلّط عليه النّاس و حرم ممّا يرجوه منهم. (و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته، و الرّفق في مكالمته)، و ليس ذلك من بذل الدين في شيء!!
(و مع ذلك فلم يمدحه بقول! فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه) «بئس ابن العشيرة» (حقّ، و فعله معه حسن عشرة)، فيزول مع هذا التقرير الإشكال الّذي هو: أن النصيحة فرض؛ و طلاقة الوجه و إلانة القول يستلزمان الترك!؟
و حاصل جوابه: أنّ الفرض سقط لعارض.
و للّه الحمد على فهمه، ما ظاهره يشكل علينا ففهمه من النّعم.
قال في «فتح الباري»: (و قد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق و حارب)، و بايع