منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٨٤ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
السّرّ بالسّرّ، و العلانية بالعلانية»).
لا يكون ذلك الذنب من المكفّرات؛ كإنكاره علم اللّه تعالى بالجزئيات، و إلّا كفر مرتكبه قطعا، و أن لا يكون مستحلّا له و هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كالزنا، و إلّا! كفر مرتكبه باستحلاله لذلك، خلافا للخوارج، فالكبيرة عندهم موجبة للكفر.
و عند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين؛ صاحبها لا مؤمن و لا كافر، و هذا في ارتكابها؛ لا عن اعتقادها، لأنّه لو اعتقد حلّ بعض المحرّمات المعلومة من الدين بالضرورة؛ كالخمر كفر بلا خلاف، فمرتكب الكبيرة مخلّد عند الفريقين، و يعذّب عند الخوارج عذاب الكفّار، و عند المعتزلة يعذّب عذاب الفسّاق.
و الحقّ ما عليه أهل السنّة من أن الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان، و لا تدخله في الكفر، و لا تخلّده في النار، و لا تحبط طاعته.
و مما يردّ على المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة: ما نطق به القرآن في مواضع؛ منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء/ ٤٨]؛ أي: من جميع الذنوب الكبائر و الصغائر غير الشرك، فلا ريب عند أهل الحقّ أنّ من مات موحّدا لا يخلّد في النّار؛ و إن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، و قد جاءت به الأحاديث الصّحيحة؛ منها: قوله (عليه الصلاة و السلام): «و إن زنى و إن سرق».
و باجتناب الكبائر تغفر الصّغائر، و أما الكبائر! فلا يكفّرها إلّا التوبة الصحيحة المستحقّة للشروط المقدّم ذكرها، انتهى ملخصا.
(السّرّ بالسّرّ، و العلانية بالعلانية»). يعني: إذا أذنبت سرّا؛ فتوبتك تكون سرّا، و إذا أذنبت جهرا فتوبتك تكون جهرا، و هذا ليس بشرط، و إنّما ذلك للمناسبة بين الذنب و التوبة؛ لأنّ التوبة لا يشترط فيها الجهر و الإعلان؛ كما لا يشترط فيها الإسرار، لأنها تحصل بمجرّد عقد القلب، و قد ورد في الحديث:
«النّدم توبة».