منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٢ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
و لقد أوذيت في اللّه و ما يؤذى أحد، و لقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة و يوم ما لي و لبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال».
ما أخفت، لأنهم في حال الأمن، و كنت وحيدا في إظهار ديني، و لم يكن أحد يوافقني في تحمل أذيّة الكفار، أو هو دعاء، أي: حفظ اللّه المسلمين عن الإخافة، أو مبالغة في الإخافة، و ذلك معروف لغة، يقال: لي بليّة لا يبلى بها أحد.
(و لقد أوذيت)- ماض مجهول؛ من الإيذاء- (في اللّه) بقولهم ساحر، شاعر، مجنون، و غير ذلك، (و ما يؤذى أحد) غيري بشيء من ذلك، بل كنت المخصوص بالإيذاء، لنهيي إيّاهم عن عبادة الأوثان، و أمري لهم بعبادة الرحمن.
و قال ابن القيّم: قوله في كثير من الأحاديث «في اللّه» يحتمل معنيين:
أحدهما أن ذلك في مرضاة اللّه و طاعته، و هذا فيما يصيبه باختياره.
و الثاني: أنّه بسببه و من جهته حصل ذلك، و هذا فيما يصيبه بغير اختياره، و غالب ما يجيء من الثاني، و ليست «في» للظرفية، و لا لمجرّد السببية؛ و إن كانت السببية أصلها.
أ لا ترى إلى خبر: «دخلت النّار امرأة في هرّة»، فإن فيه معنى زائدا على السببية، فقولك «فعلت كذا في مرضاتك» فيه معنى زائد على فعلته لرضاك. و إن قلت: أوذيت في اللّه لا تقوم مقامه بسببه. انتهى.
(و لقد أتت) أي: مرّت، و مضت (عليّ)- بتشديد الياء- (ثلاثون من بين ليلة و يوم) أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات لا ينقص منها شيء.
قال الطيبي: و هو للتأكيد الشمولي. و وجه إفادة الشّمول أنّه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح و التساهل، بل ضبط أول الثلاثين و آخرها، و أحصى أيامها و لياليها.
(ما لي و لبلال طعام يأكله ذو كبد)؛ أي: حيوان عاقل أو دابة (إلّا شيء) أي: قليل، و لقلّته جدّا كان (يواريه)؛ أي: يستره (إبط بلال»)- بالكسر-:
ما تحت الجناح يذكّر و يؤنّث، يعني كان ذلك الوقت بلال رفيقي، و لم يكن لنا من