أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٩٨
فما هو الاعتذار عنه فى الأجسام المتناهية يكون الاعتذار عن الجسم الّذي لا نهاية له.
المسلك الخامس:
فيما ذكره الفلاسفة أيضا أنهم قالوا: لو كان الجسم لا نهاية لبعده؛ لما تصوّر عليه و لا على جزئه حركة طبيعية؛ و اللازم ممتنع.
أما أنه لا يتصور عليه الحركة؛ فلأن الحركة: إما مكانية، أو وضعية. لا جائز أن تكون مكانية؛ بحيث تستبدل بحركته مكانا بمكان.
أما إذا كان غير متناه من جميع الجهات؛ فلأنه لا يخلو منه مكان. و أما إذا كان متناهيا من جهة دون جهة؛ فانتقاله لا بد و أن يكون من الجهة التى هو غير متناه فيها إلى الجهة التى هو متناه بالنسبة إليها؛ فإنه لا حركة له إلى جهة هو فيها.
و عند ذلك: فإما أن يخلو منه مكانه، أو لا يخلو منه مكانه.
لا جائز أن يقال بالأول: و إلا فقد صارت الجهة الغير متناهية متناهية.
و إن كان الثانى: فليست الحركة مكانية؛ بل إما أن يتخلخل أو ينمو، و ليس الكلام فيه.
و أما الوضعية: فهى الحركة الدورية على حركة نفسه، فلأنه لا يخلو إذا تحرك: إما أن تتم الدورة، أو لا تتم. فإن تمت الدورة؛ لزم ما قيل من تلاقى الخطين. و هما المفروض غير متناه خاليا من العالم، و الخطّ الدائر عليه.
و إن لم تتم الدورة؛ فلا يخلو. إما أن يكون تتميمها مستحيلا، أو ممكنا. فإن كان مستحيلا: كان الجزء منه أن يتحرك قوسا و لا يكون له أن يتحرك قوسا أخرى؛ و ذلك مع اتحاد حقيقة المتحرك، و تشابه الأقواس و الأحوال كلها مستحيل.
و إن كان ممكنا أمكن فرضه؛ و يلزم منه المحال المتقدم. و أما أنه لا حركة لأجزائه طبعا، فلأنه لا يخلو ذلك الجسم من أن يكون غير متناه من جميع الجهات أو من جهة دون جهة.
فإن كان الأول: فليس لأجزائه موضع مطلوب بالحركة [١]، هو مخالف لمبدإ الحركة.
[١] الحركة: عرف الآمدي الحركة فقال: «و
أما الحركة فعبارة عن كمال بالفعل لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة؛ لا من كل وجه؛
و ذلك كما فى الانتقال من مكان إلى مكان، و الاستحالة من كيفية إلى كيفية» [المبين
للآمدى ص ٩٥].