أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٨
و لا يصح على القول بالمغايرة بين المتحيّز، و الحيز، و التحيّز كما حقّقناه. و إنما طريق الجواب تفريعا على هذا الرّأى أن يقال: خصوص آحاد المتحيّزات بآحاد الأحياز، و إن كان يفتقر إلى تخصيص و كون موجب له، و ليس صفة من صفات نفس الجوهر على ما قرّروه بذلك غير لازم فيما يستحقه لذاته من الحيّز مطلقا غير مخصّص بحيّز دون حيّز، و الفرق بين الأمرين ظاهر.
و لهذا فانا لا نعقل الجوهر دون تعقل كونه متحيزا فى الجملة؛ بخلاف كونه متحيزا بحيز مخصوص.
فإن قيل: إذا كان الجوهر هو المتحيز، و العرض هو القائم بالمتحيّز/ فالموجود الممكن عندكم لا يخرج عن المتحيز، و القائم بالمتحيّز، و تم الرّد على من يعتقد وجود ممكن ليس متحيزا، و لا قائما بالمتحيز؛ كما يقوله الفلاسفة فى العقول، و النفوس الفلكية، و الإنسانية كما سبق فى خلق الأعمال [١].
فنقول: هذا السؤال مما صعب موقعه على فحول المتكلمين، و الأئمة المتبحرين حتى أن منهم من لم يحر فيه جوابا.
و منهم من خبط بما لا يقنع به المحصلون.
و ها نحن نذكر ما ذكروه، و ننبه على ما فيه فنقول: الّذي ذهب إليه المعتزلة و كثير من أصحابنا أن قالوا:
وجود ممكن ليس متحيزا، و لا قائما بالمتحيّز، مما لم يضطرنا إليه عقل و لا دل عليه دليل من عقل، و لا نقل؛ فلا يكون ثابتا فى نفسه، و حاصله يرجع إلى نفى المدلول؛ لانتفاء دليله؛ و قد عرف بطلانه فيما تقدم فى النظر [٢].
و من أصحابنا من قال: لو قدرنا موجودا ممكنا، ليس متحيزا، و لا قائما بالمتحيّز؛ لم يبعد أن يبدعه البارى- تعالى- بحيث وجود متحيز، و يلزم من ذلك جواز قيامه بذلك المتحيز؛ إذ لا معنى لقيام غير المتحيز بالمتحيز غير وجوده فى حيث المتحيز.
[١]
انظر ما سبق فى الجزء الأول- القاعدة الرابعة- الباب الأول- القسم الأول- النوع السادس-
الأصل الثانى- الفرع الثانى: فى الرد على الفلاسفة الإلهيين ل ٢١٨/ أ و ما بعدها.
[٢]
انظر ما سبق فى الجزء الأول- القاعدة الثالثة- الباب الثانى: فى الدليل- الفصل السابع-
الدليل الثانى: الحكم بانتفاء المدلول لانتفاء دليله. ل ٣٨/ ب و ما بعدها.