أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٢
و إن سلم أنه نظرى؛ لكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه؛ و ذلك أنا لو قدرنا شخصا وقف فى طرف العالم الّذي قلتم بتناهيه، و رمى سهما فإما أن يصح نفوذه خارجا عن الحد المفروض الانتهاء عنده، أو لا يصح ذلك.
فإن كان الأول: فقد لزم البعد. و على هذا أبدا.
و إن كان الثانى: فإما أن يكون وراء العالم مانع يمنع من النفوذ، أو لا يكون.
فإن قدر المانع؛ فثم ملاء و ليس لا شيء وراء العالم.
و إن لم يكن ثم مانع، فالقول بعدم تصور النفوذ ممتنع.
و إن نفذ؛ فقد لزم البعد. و البعد إما جسم، أو عرض. و العرض لا يقوم بنفسه؛ فلا بد و أن يقوم بموضوع هو الجسم.
قلنا: القول بعدم النهاية ليس ضروريا؛ ليلزم ما ذكرتموه، بل غايته ارتياد الأوهام إلى ذلك، و حكم الوهم [١] لا يقضى به على حكم العقل بل العقل حاكم ببطلان أحكام الأوهام، و قاض بفسادها، و إن كانت الأوهام ربما أثرت فى حس بعض العوام تأثيرا يقوى على حكم العقل عنده، كمن يحكم على البارى تعالى بكونه جسما [٢]، مشار إليه، و إلى جهته اتباعا لوهمه، و تركا لمقتضى عقله، بناء على ما رآه شاهدا، و كمن ينفر عن العسل إذا شبه بالعذرة، أو عن المبيت فى بيت فيه ميت، خيفة تحركه مع قطعه بأن ما ينفر عنه عسل، و أن الميت لا حركة له، و لكن ذلك غير معول عليه فى المحسوسات، و القضايا العقليات.
و أما عدم نفوذ السهم فيما وراء العالم، إنما كان لعدم القابل، و ذلك لا يدل على أن وراء العالم شيء؛ فإن عدم القابل ليس بشيء.
[١] الوهم: عرف الآمدي الوهميات فقال:
«و أما الوهميات فما أوجب التصديق بها قوة الوهم. إلا أن ما كان منها فى غير المحسوس؛
فكاذب؛ كالحكم بأن كل موجود مشار إلى جهته أخذا من المحسوس» [المبين للآمدى ص ٩٢].
[٢] الجسم: عرفه الآمدي فقال: «و أما الجسم:
فعبارة عن المؤتلف عن جوهرين فردين فصاعدا» [المبين للآمدى ص ١١٠].