أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٩
المسلك الثانى:
قالوا: قد ثبت أن زيادة بعد الجسم على حسب زيادة أجزائه.
فلو كانت أجزاء كل جسم لا نهاية لها فى التعقل؛ لكان بعد كل جسم لا نهاية له فى التعقل أيضا، و يلزم أن لا يقطعه متحرك بالحركة من جهة أن قطع ما لا يتناهى بالحركة محال؛ و ذلك لأن قطع المتحرك لما لا نهاية لأجزائه إنما يكون بقطع جميع الأجزاء.
و ما من جزء يقدّر قطعه؛ إلا و لا بد و أن يكون قد قطع قبله أجزاء لا نهاية لها؛ و هو محال.
و كل ذلك خلاف المحسوس؛ و فيه نظر؛ إذ لقائل أن يقول:
الأجزاء منقسمة إلى أجزاء متداخلة: و معناه أن يكون الشيء المفروض له جزء، و لجزئه جزء إلى غير النهاية.
و إلى أجزاء غير متداخلة: و هى الأجزاء المتماثلة الداخلة فى الشيء المركب.
و على هذا فله أن يقول: الأجزاء التى باعتبارها زيادة بعد الجسم: هى الأجزاء المتداخلة، أو غير المتداخلة:
الأول: ممنوع، و الثانى: مسلم.
و لكن لا يلزم منه عدم النهاية فى بعد الجسم؛ إذ الأجزاء المتماثلة فى كل جسم متناهية؛ فلا توجب غير المتناهى، و ما لا يتناهى هى الأجزاء المتداخلة؛ فلا توجب بعدا غير متناهى.
و على هذا: فلا يمتنع قطعه بالحركة. كيف و أنه ما من حركة يمكن فرضها إلا و هى أيضا متجزئة إلى ما لا يتناهى على نحو تجزئ الأجسام عند الخصم و قطع ما لا يتناهى من أجزاء الجسم، بما لا يتناهى فى زمان لا يتناهى؛ غير ممتنع.
المسلك الثالث:
قالوا: لو كانت أجزاء/ كل جسم لا نهاية لها عقلا؛ فهى مجتمعة. و كل جزءين مجتمعين أمكن تقدير افتراقهما، و هلم جرا إلى غير النهاية؛ و لهذا فإنا: لو فرضنا جملة متركبة؛ فإنها بالتنصيف تفترق. و سبيل التفريق فى البعض؛ كسبيل التفريق فى الكل.