أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢١١
الفصل التاسع فى اختلاف الأكوان و تماثلها، و تضادها
و أعلم أن من لم يثبت المماسة، كونا دائما بالجوهر [مغايرا للكون المخصّص للجوهر بحيزه [١]]: كالقاضى أبى بكر و من نصر مذهبه؛ أطلق القول بتضاد كل لونين [٢].
و ذلك لأن كل كونين: إما أن يوجبا تخصيص الجوهر بحيّز واحد، أو أن كل واحد منهما يوجب التخصيص بحيّز غير الحيّز الآخر
فإن كان الأول: فهما متماثلان، و المتماثلان ضدّان؛ و لا يتصور اجتماعهما، بل وجودهما فى الجوهر لا يكون إلا بجهة التعاقب عليه، كما إذا كان مستقرا فى حيز أكثر من زمان؛ فالكون المتجدّد فى الزمان الثانى؛ يكون مثلا للكون الموجود فى الزمان الأول؛ لقيام كل واحد منهما مقام الآخر فى تخصيص الجوهر بذلك الحيّز.
و إن كان الثانى: فقد اختلف المتكلمون فيه.
فمنهم من قال: بتماثلهما؛ لتماثل الحيّزين.
و منهم من قال: باختلافهما؛ لاستحالة قيام أحدهما مقام الآخر؛ و هو الحق.
و على كل تقدير؛ فهما ضدان [٣] لا يجتمعان.
فإنهما لو اجتمعا فى جوهر واحد: فإما أن يثبت تخصيص كل واحد منهما، أو تخصيص أحدهما دون الآخر، أو لا يثبت تخصيص واحد منهما.
فإن كان الأول: لزم كون الجوهر الواحد فى حيّزين معا. و هو محال.
و إن كان الثانى: فليس أحدهما أولى من الآخر.
[١] ساقط من أ.
[٢] قارن بما ورد فى الشامل فى أصول الدين
للجوينى ص ٤٦٢.
[٣] الضدان: صفتان وجوديتان يتعاقبان فى
موضع واحد، يستحيل اجتماعهما كالسواد و البياض، و الفرق بين الضدين و النقيضين: أن
النقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان: كالعدم و الوجود، و الضدين لا يجتمعان؛ و لكن يرتفعان:
كالسواد و البياض. [التعريفات للجرجانى ص
١٥٥].