أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١١٨
هذا كله إن كان الجسم قابلا للانتقال عن حيّزه قسرا، و إن لم يكن قابلا لذلك؛ فلا بد و أن يكون بسيطا؛ فإنه لو كان مركبا؛ لكانت بساطته قابلة للحركة إلى حيّز المركب و إلا لما تركب منها.
و يلزم أن تكون قابلة للانتقال إلى أحيازها؛ و يلزم من ذلك أن يكون المركب قابلا للانتقال عن حيّزه؛ و هو خلاف الفرض؛ فلم يبق إلا أن يكون بسيطا، و الطبيعة الواحدة فى المادة الواحدة لا تقتضى من الأشكال غير المتشابه الأجزاء و ليس ذلك غير الكرى؛ فشكله الطبيعى كرى فلا بد له من وضع سبب لقسمة أجزائه إلى حاوية، أو محوية.
و إذا كانت أجزاؤه متشابهة، متماثلة، ضرورة اتحاد الطبيعة؛ فليس اختصاص بعض الأجزاء بما اختص به، أولى من الآخر؛ بل الواجب أن ما جاز على أحد المثلين؛ فهو جائز على الآخر، و ذلك لا يكون إلا بغرض الحركة، و الانتقال من وضع إلى وضع؛ فله مبدأ ميل، و ليس ذلك مستقيما؛ بل دورى.
فإذن كل جسم لا بد فيه من مبدأ ميل طبيعى لحركة مستقيمة أو وضعية، و لا يجتمعان.
و طريق الرد عليهم:
أن يقال: أصل ما ذكرتموه مبنى على أن كل جسم لا بد له من حيز طبيعى؛ و قد أبطلناه فى الفصل الّذي قبله [١] و بتقدير التسليم جدلا لا نسلم أنه لا بد و أن يكون اقتضاء الجسم للحيز بقوة زائدة على ذاته.
قولهم: يلزم أن تكون الأجسام كلها مشتركة فى حيّز واحد، مسلم؛ و لكن لا نسلم إحالة ذلك على ما تقدم.
قولهم: الميل مشاهد/ فى بعض الأجسام على ما قرروه؛ لا نسلم ذلك.
و ما نحس من المدافعة، و الثقل إنما هو عائد إلى عدم خلق القدرة على دفع ذلك الجسم و تحريكه، لا أنه عائد إلى أمر فى الجسم.
و إن سلمنا ذلك، و لكن لم قالوا بلزوم طرد ذلك فى كل جسم.
[١] راجع ما مر فى الفصل السابق ل ٢٧/ ب
و ما بعدها.