أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٨٣
و إن كان الانفصال للبعد مع اتصاله، فمحال أن يكون المتصل من حيث هو متصل منفصلا، فإذا لا بد و أن يكون قبول الجسم للاتصال و الانفصال، إنما هو خارج عن نفس البعد المفروض.
قالوا: و ذلك القابل هو المادة، و ذلك البعد الّذي لا يفارق الجسم/ و لا تختلف به الأجسام فيما بينها؛ هو الصورة الجسمية؛ فالجسم مركب من المادة و الصورة الجسمية؛ و ليس هو نفس البعد كما ذهب إليه ديمقريطس [١] لما حققناه.
قالوا: و ليس يتصور تجرد مادة الجسم عن صورته، و لا الصورة عن المادة فى الوجود؛ فاستدلوا عليه بأمرين:
الأول: أنه لو تصور تجرد إحداهما عن الأخرى، فما فرض منهما موجودا مجردا عن الآخر، كانت المادة، أو الصورة.
فإما أن يكون مع فرضه كذلك متحدا، أو متكثرا، و أى الأمرين قدّر؛ فهو له لذاته؛ ضرورة فرضه مجردا عن كل شيء؛ فلا يتصور عليه غيره، و الوحدة و التكثر عليهما ممكن؛ فلا تجرد.
الثانى: أنه لو تصور خلو كل واحدة عن الأخرى، لم يخل: إما أن تكون متحيّزة، أو غير متحيّزة.
فإن كانت متحيّزة؛ فإن كانت المادة: فيلزم أن يكون لها بعد ضرورة مطابقتها لبعد الحيّز، و قد قيل: إن المادة لا بعد لها؛ بل هى مجردة عن البعد؛ و هو خلف.
و ان كانت هى الصورة؛ فيلزم قبولها للانفصال؛ ضرورة مطابقتها للحيّز المنفصل؛ و هو محال لما سبق.
[١] ديمقريطيس: و قيل (ديموكريت) ولد فى
(أبدير) إحدى المدن الإغريقية حوالى سنة ٤٦٠ ق. م. و لما ترعرع قام بأسفار كثيرة، و
من أشهر رحلاته رحلته إلى مصر التى استغرقت خمسة أعوام.
أما عن حياته، و مؤلفاته، و مذهبه فارجع
إلى (الفلسفة الإغريقية للدكتور محمد غلاب ص ١٠٨- ١١٧، و الملل و النحل للشهرستانى
٢/ ١٠٠، ١٠١).