أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٦
المسلك الثالث:
ما ذكره الأستاذ أبو إسحاق [١]، و أبو بكر ابن فورك [٢] و هو أنهما قالا: إذا أدرك المدرك جوهرا ثم قام به سواد فادركه مع السواد؛ فإنه يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حال الجوهر قبل اتصافه بالسواد، و بعده.
و هذه التفرقة إنما تعود إلى شيئين، و ليس ذلك هو الجوهر و السواد؛ إذ الجوهر مستمر فى الحالين مع التفرقة؛ فلم يبق الا أن التفرقة راجعة إلى السواد، و لون آخر قبله.
و هو ضعيف أيضا: إذ أمكن أن يقال بعود التفرقة إلى إدراك الجسم أولا دون غيره؛ و إدراكه ثانيا مع غيره، و لا يخفى أن رؤية شيء واحد متميز عن رؤية شيئين.
و المعتمد فى المسألة أن نقول:
إذا افترضنا جوهرين متحيّزين فلا يخلوا: إما أن يكونا مجتمعين، أو مفترقين، أو مجتمعين، و مفترقين معا أو لا مجتمعين، و لا مفترقين.
لا جائز أن يقال بالثالث: إذ هو معلوم/ البطلان بالضرورة.
و لا جائز أن يقال بالرابع: فإن من ضرورة كون الجوهرين متحيزين أن يكون حيّز أحدهما ملاصقا لحيز الآخر، أو لا يكون ملاصقا له.
و الأول: هو الاجتماع، و الثانى: هو الافتراق.
و لا يتصور أن يكون لا ملاصقا له، و لا غير ملاصق. فلم يبق إلا أن يكونا مجتمعين، أو مفترقين. و الاجتماع و الافتراق كونان، و الأكوان أعراض على ما يأتى [٣]:
[و لأن الاجتماع عبارة عن اختصاص الجوهرين كل واحد بحيز لا يفصلهما ثالث؛ و الافتراق مقابل له.
و اختصاص الجوهر بالحيز صفة وجودية، لأن نقيضه صفة للعدم، و الصفة الوجودية عرض] [٤] و فى ذلك تصريح بامتناع خلو الجواهر عن الأعراض مطلقا، و هو دليل على
[١]
سبقت ترجمته فى الجزء الأول فى هامش ل ٥/ أ.
[٢]
سبقت ترجمته فى الجزء الأول فى هامش ل ٣/ أ.
[٣]
انظر ما سيأتى فى الأصل الثانى- الفرع الخامس: فى الأكوان و ما يتعلق بها ل ٤٨/ أ و
ما بعدها.
[٤]
ساقط من أ.