أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٠
و قد احتج القائل. أما على إثباته: فإنا لو فرضنا عدم الملاء فيما بين السماء و الأرض، و رفعناه عن الذهن؛ فإنا لا نشك فى أن بين السماء، و الأرض بعدا لو فرضت فيه الأجسام؛ لملأته و يمكن نفوذه: كالسهم و غيره.
و أما على كونه مكانا للأجسام؛ فمن وجهين:
الأول: أنه إذا لم يكن الجسم متحركا عن مكانه؛ فهو ساكن فيه. فلو لم يكن مكان الجسم هو الأبعاد بالتفسير المذكور؛ بل السطح الحاوى، أو الجسم المحيط؛ لكان الجسم المستقر فى قعر الماء الجارى، و الواقف فى الهواء السيال لتبدل المحيط به و تجدده مما يمنع عليه أن يكون متحركا لوقوفه، و أن يكون ساكنا مع تبدل مكانه؛ و ذلك محال بخلاف ما إذا كان المكان هو الأبعاد المذكورة.
الثانى: أنه لو لم يكن المكان هو الخلاء بالتفسير المذكور؛ لكان لكل جسم مكان؛ ضرورة تناهى الأجسام.
و أما النافي لذلك؛ فإنه قال: البعد المفروض: إما أن يكون وجوديا، أو عدميا.
فإن كان وجوديا: فإما أن يكون غير متناه، أو متناه.
فإن كان الأول: فهو محال؛ لما تقدم فى تناهى الأبعاد [١].
و إن كان متناهيا: فإما أن يكون قائما بنفسه، أو لا يكون/ قائما بنفسه.
فإن كان قائما بنفسه: فهو جوهر. و إن لم يسم باسم الجوهر.
و هو إما أن يكون محسوسا، أو غير محسوس.
فإن كان محسوسا: فهو متجزئ؛ ضرورة مطابقته للجسم المتجزئ و هو المعنى بالجسم. فإن لم يسم باسم الجسم؛ فيكون المكان بهذا الاعتبار جسم لا غيره.
و إن لم يكن محسوسا؛ بل معقولا محضا: فلا يكون واقعا فى امتداد الإشارة إليه؛ و لا يصح اتصاف الجسم المحسوس بكونه فيه، و متصلا به و منفصلا عنه؛ و ليس المكان كذلك؛ على ما سبق [٢].
[١] راجع ما سبق فى النوع الثالث- الفصل
الثانى: فى أن أبعاد الأجسام متناهية ل ٢١/ ب و ما بعدها.
[٢] راجع ما سبق ل ٤٩/ ب و ما بعدها.