أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٧٥
و إن سلمنا: امتناع حمل الهلاك على الموت، غير أنه أمكن أن يكون المراد به خروج كل شيء عن الانتفاع المخصوص به و ذلك يتصور بانفكاك التركيب و التأليف
و منه يقال: هلك فلان، و هلك كذا: إذا تفرقت أجزاؤه و تأليفه
و إن لم تنعدم أجزاؤه؛ و الأصل فى الاطلاق الحقيقة.
و إن سلمنا: أن المراد بالهلاك: العدم؛ و لكن إنما يلزم من ذلك عدم كل شيء أن لو كان قوله: كل شيء للعموم؛ و ليس كذلك على ما عرف من أصلنا
بل حمل مثل ذلك على العموم. إنما يكون بالقرائن؛ و لا نسلم وجودها [١١]// و بتقدير القرينة: فالتعميم أيضا ممتنع؛ و إلا لزم من ذلك: فناء الجنة، و أهلها، و ثواب المؤمنين و عقاب الكافرين؛ و هو خلاف قاعدة الدين، و مذهب المسلمين.
و أما قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ [١] فغايته الدلالة على كونه آخرا: و هو مطلق.
و قد أمكن العمل به فى كونه آخر الأحياء؛ فلا يبقى حجة فيما عداه.
و لو لا قيام الدليل العقلى على حدوث كل موجود سوى الله- تعالى- لما كان قوله:
هو الأول: محمولا على السبق بالوجود؛ أولى من غيره و قوله- تعالى- وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [٢] فالضمير و إن كان عائدا إلى الخلق، غير أن الخلق قد يطلق بمعنى:
الإيجاد بعد العدم و قد يطلق بمعنى: الإحياء، و تأليف الأجزاء بعد التفرق.
و منه قوله- تعالى- خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [٣] و قوله- تعالى- وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [٤] و ليس المراد به غير الاحياء، و تأليف الأجزاء.
و عند ذلك: فليس عود الضمير إلى الخلق بمعنى الإيجاد؛ أولى من عوده إليه بالمعنى الآخر.
و على هذا: فلا تكون الآية دالة على سابقة العدم.
[١١]//
أول ل ٥٦/ ب من النسخة ب.
[١]
سورة الحديد ٥٧/ ٣.
[٢]
سورة الروم ٣٠/ ٢٧.
[٣]
سورة فاطر ٣٥/ ١١.
[٤]
سورة السجدة ٣٢/ ٧.