أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٥٦
قلنا: إذا كانت القبلية عبارة عما ذكرناه. فقول القائل: الحادث له قبل كان فيه معدوما: إن أراد به القبلية: بالاعتبار المذكور؛ لا يكون صحيحا؛ و لا نسلم صحة إطلاقه.
و إن أراد به: تقدير مدة فى وهمه و فرضه من غير تحقيق؛ فلا منازعة فى العبارة.
و لا يلزم من كون العدم متقدما على الوجود الحادث؛ أن يكون تقدمه بالزمان؛ فإن التقدم أعم من التقدم بالزمان كما سبق [١] و لا يلزم من الأعم الأخص.
و على هذا: فقد بطل القول بسبق وجود المادة تفريعا علي وجود الزمان.
و ما ذكروه من بيان وجود المادة فى الوجه الثانى؛ فمبنى على أن الإمكان أمر وجودى؛ و قد أبطلناه؛ فيما تقدم و بتقدير أن يكون صفة وجودية فحاصله يرجع إلى أن الرب- تعالى- قادر على إحداثه.
قولهم: لو كان كذلك؛ لزم منه تعليل الشيء بنفسه.
قلنا: الممكن هو المقدور على ما ذكرناه. غير أن من لوازمه: أنه لو فرض موجودا؛ لا يلزم عنه لذاته محال و التعليل: إنما هو: هذا اللازم.
و لا تخفى المغايرة بين الأمرين، و تعليل أحد المتغايرين بالآخر، لا يكون تعليلا للشىء بنفسه؛ فلا يكون متهافتا. و إطلاق اسم الإمكان على اللازم: إنما كان بطريق التجوز و الاستعارة؛ ضرورة الملازمة، و لا بعد فيه؛ و فيه دقة؛ فليتأمل.
و أما الشبهة الثالثة [٢]:
فإن أرادوا بلفظ المدة الزمان: فالتقسيم إذن إنما يصح فيما هو قابل للتقدم، و التأخر، و المعية بالزمان. و أما ما ليس بقابل لذلك؛ فلا. و البارى- تعالى- ليس قابلا
[١]
راجع ما مر ل ٨١/ ب و ما بعدها.
[٢]
الرد على الشبهة الثالثة للخصوم الواردة فى ل ٩٧/ أ و خلاصتها «لو كان العالم حادثا؛
لم يخل: إما أن لا يكون بينه، و بين الرب- تعالى- مدة، أو يكون بينهما مدة. فإن كان
الأول؛ فيلزم منه مقارنة، وجود العالم لوجود الرب- تعالى .. إلخ».