أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١١٥
فإن قالوا: لو كان كذلك؛ لكان ما عظم من الزقوق المنفوخة أمنع لمزاحمة الماء لها مما صغر؛ و كان طفو الأصغر، أسرع من طفو الأكبر، و الأمر بالعكس؛ فهو معارض باحتمال كثرة المزاحمة من الماء المقسور عن حيزه.
و أما قول من قال منهم: إنها بأجمعها ثقيلة تطلب بطبعها جهة السّفل؛ فهو معارض باحتمال أن كلها خفيفة تطلب أقصى جهة فوق؛ غير أنه لما كان البعض أخف من البعض، سبق الأخف طافيا فوق الكل، و رسب ما هو دونه فى الخفة.
و أما المذهب الثالث: القائل باندفاع الأرض إلى المركز بالحركة الفلكية القاسرة، فباطلة من أربعة أوجه:
الأول: أنه لو كان كما ذكروه؛ لكان اندفاع المدرة [١] الصغيرة، أسرع من اندفاع الأثقال العظيمة، لضعف مقاومتها.
الثانى: أنه لو كان كذلك، لكانت حركة المندفع كلما بعدت عن الفلك المحرك لها أبطأ؛ و ليس كذلك.
الثالث: أنه لو كان كما ذكروه؛ لما اختص ذلك بالثقيل دون غيره.
الرابع: أنه كان يلزم أن تكون الأرض متحركة دورا فى الوسط؛ لحركة التراب فيما ذكروه من المثال؛ و ليس كذلك.
و أما المذهب الرابع: فباطل أيضا؛ فإنه لو كان كما ذكروه؛ لما أختص ذلك بالأرض دون غيرها، و لكانت المدرة إذا رميت نحو السماء، أو السهم أن لا يعود قهقرا نحو الأرض؛ لقربه من بعض جهات الفلك دون البعض.
و أما ما ذكروه من اختصاص طبائع العناصر بالكيفيات المذكورة.
فلقائل أن يقول: لا نسلم أن النار يابسة؛ على ما قررناه فيما تقدم.
و إن سلمنا ذلك؛ و لكن لا نسلم أن هذه الكيفيات من مقتضى طباع العناصر.
و ذلك أنا قد نشاهد الهواء، و الماء، و التراب تارة باردا، و تارة/ حارا بطبعه
[١] المدر: جمع (مدرة) مثل قصب و قصبة و
هو التّراب المتلبد قال الأزهرى (المدر) قطع الطين و بعضهم يقول الطين العلك الّذي
لا يخالطه رمل [المصباح المنير- كتاب الميم ٢/ ٥٦٦].