ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٧٨ - الباب الثالث و العشرون الخير و الصلاح، و ذكر الأخيار و الصلحاء و صفاتهم و أحوالهم، و ما جاء فيهم و عنهم
شديد القوى، يتفجر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و اللّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، و يعاقب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما جشب، كان و اللّه يجيبنا إذا سألناه، و يأتينا إذا دعوناه، و نحن و اللّه مع تقربه لنا، و قربه منا، لا نكلمه هيبة، و لا نبتدئه لعظمه، يعظم أهل الدين، و يحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد باللّه لرأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، و قد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتملل تململ السليم، و يبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه يقول: يا دنيا إلي تعرضت، أم تشوفت؟هيهات، هيهات، غري غيري، قد بعتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، و عيشك حقير، و خطرك كبير، آه من قلّة الزاد و وحشة الطريق.
قال: فوكفت دموع معاوية ما يملكها على لحيته، و هو يمسحها، و قد اختنق القوم بالبكاء، و قال: رحم اللّه أبا حسن، كان و اللّه كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟قال: حزني عليه و اللّه حزن من ذبح واحدها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، و لا تسكن حرارتها. ثم قام فخرج.
و خرج يوما من منزله فإذا قوم جلوس، قال: من أنتم؟قالوا نحن شيعتك، قال: سبحان اللّه!!ما لي لا أرى عليكم سيما [١] الشيعة؟ قالوا: و ما سيما الشيعة؟قال: عمش العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، دبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين.
١١٤-حذيفة [٢] : ما منا أحد يفتش إلاّ فتش عن جائفة [٣] أو نقلة [٤]
[١] سيما: علامة.
[٢] حذيفة: هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
[٣] الجائفة: الشنار و العيب.
[٤] النقلة: النميمة.