ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٦ - ١٣ - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته
الأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب أو من وطن الغفلة إلى اليقظة أو[١]].
من حظوظ النفس إلى حقوق اللّه، أو من حال الغفلة الى حال الذكر أو من عالم الأكدار إلى عالم الصفاء، أو من رؤية الحس إلى شهود المعنى، أو من الجهل إلى المعرفة، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، أو من عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من مقام السائرين إلى وطن المتمكنين، و المكبل هو المقيد، و المراد بالشهوات كل ما تشتهيه النفس و تميل إليه.
قلت: الرحيل مع التكبيل لا يجتمعان، فما دام القلب محبوسا بالميل إلى شيء من هذا العرض الفاني و لو كان مباحا في الشرع، فهو مقيد به و مكبل في وطنه، فلا يرحل إلى الملكوت و لا تشرق عليه أنوار الجبروت، فتعلق القلب بالشهوات مانع له من النهوض إلى اللّه لاشتغاله بالالتفات إليها، و على تقدير النهوض معها تكون مثبطة له عن الإسراع بالميل إليها، و على تقدير الإسراع، فلا يأمن العثار معها لأنس النفس بها و لذلك ترك الأكابر لذتها حتى قال بعضهم: لدغ الزنابير على الأجسام المقرّحة أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة انتهى. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه قلت: هذا إن تعلق القلب بطلبها قبل حصولها و إلا فلا لعدم تعلق القلب بها، و قد تقدم في حقيقة التصوف أن تكون مع اللّه بلا علاقة. و كان شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: إن شئتم أن نقسم لكم لا يدخل عالم الملكوت من في قلبه علقة انتهى.
فاقطع عنك يا أخي عروق العلائق، وفر من وطن العوائق تشرق عليك أنوار الحقائق، و لهذا كانت السياحة و الهجرة من الأمور المؤكدة على المريد إذ الإقامة في وطنه الحسي لا يخلو معها من التعلقات الحسية، و قد قالوا: الفقير كالماء إذا طال في موطن واحد تغير، و إذا جرى عذب، و بقدر ما يسير في الحس يسير في المعنى، و بقدر ما يسير القالب يسير القلب، و الهجرة سنة نبوية، و منذ
[١] - الزيادة من: المطبوع