ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٧ - ١٣ - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته
هاجر النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لم تكن له راحة إلا في السفر للجهاد، حتى فتح اللّه عليه البلاد، و كذلك الصحابة رضوان اللّه عليهم، لم يستقر في وطنه إلا القليل منهم حتى فتح اللّه على أيديهم سائر البلاد، و هدى اللّه بهم العباد نفعنا اللّه ببركاتهم آمين، و إذا رحل القلب من وطن شهواته و تطهر من لوث غفلاته، وصل إلى حضرة ربه و تنعم بشهود قربه و لذلك أشار بقوله: [أم كيف يطمع أن يدخل حضرة اللّه و هو لم يتطهّر من جنابة غفلاته؟].
الحضرة[١]: هي حضور القلب مع الرب، و هي على ثلاثة أقسام: حضرة القلوب، و حضرة الأرواح، و حضرة الأسرار، فحضرة القلوب للسائرين، و حضرة الأرواح للمستشرفين، و حضرة الأسرار للمتمكنين، أو تقول حضرة القلوب لأهل المراقبة، و حضرة الأرواح لأهل المشاهدة، و حضرة الأرواح لأهل المشاهدة، و حضرة الأسرار لأهل المكالمة، و سر ذلك أن الروح ما دامت تتقلب بين الغفلة و الحضرة كانت في حضرة القلوب، فإذا إستراحت بالوصال سميت روحا و كانت في حضرة الأرواح، و إذا تمكنت و تصفت و صارت سرا من أسرار اللّه سميت سرّا و كانت في حضرة الأسرار، و اللّه تعالى أعلم. قلت: الحضرة مقدسة منزهة مرفعة، لا يدخلها إلا المطهرون فحرام على القلب الجنب أن يدخل مسجد الحضرة، و جنابة القلب غفلته عن ربه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: ٤٣]، أي لا تقربوا صلاة الحضرة و أنتم سكارى بحب الدنيا، و شهود السوي حتى تتيقظوا و تتدبروا ما تقولون في حضرة الملك و لا جنبا من جماع الغفلة، و شهود السوى حتى تتطهروا بماء الغيب الذي أشار إليه الحاتمي رضي اللّه تعالى عنه كما في «الطبقات الشعرانية» في ترجمة أبي المواهب بقوله:
[١] - قال سيدي محمد أبو المواهب الشاذلي: جلت حضرة القدوس أن يدخلها أحد من أصحاب النفوس.