ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٥ - ١٣ - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته
أصله، و هو مقام الكفر و العياذ باللّه و منها ما يقل صداها و يرق حجابها فتقر بالنور و لا تشاهده، و هو مقام عوام المسلمين و هم متفاوتون في القرب و البعد و قوة الدليل و ضعفه كل على قدر يقينه و قلة تعلقاته الدنيوية و عوائقه الشهوانية و خيالاته الوهمية. و في الحديث: «إنّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، و إن الإيمان يخلق»، أي يبلى «كما يخلق الثوب الجديد[١]»، الحديث و في حديث آخر: «لكل شيء مصقلة و مصقلة القلوب ذكر اللّه[٢]»، و قال أيضا صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع و استغفر صقلت، و إن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الرّان الذي ذكر اللّه: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤][٣]»، أو كما قال ٧. و إذا علمت أنّ القلب ليس له إلا وجهة واحدة، إذا قابلها النور أشرقت، و إذا قابلتها الظلمة أظلمت، و لا تجتمع الظلمة و النور أبدا، علمت وجه تعجب الشيخ بقوله: كيف يشرق قلب بنور الإيمان و الإحسان و صور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه، فالضدان لا يجتمعان قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤]، فمالك أيها الفقير إلا قلب واحد إذا أقبلت على الخلق أدبرت عن الحق، و إذا أقبلت على الحق أدبرت عن الخلق، فترحل من عالم الملك إلى الملكوت، و من الملكوت إلى الجبروت، و ما دمت مقيدا في هذا العالم بشهواتك و عوائدك، فلا يمكنك الرحيل إلى ربك و إلى ذلك أشار بقوله: [أم كيف يرحل إلى اللّه و هو مكبّل بشهواته]. الرحيل هو النهوض و الانتقال من وطن إلى وطن و هو هنا: [من نظر الكون إلى شهود المكون أو من الملك إلى الملكوت أو من الوقوف مع
[١] - رواه القضاعي في الشهاب( ٢/ ١٩٩) بنحوه، و لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[٢] - لم أقف عليه.
[٣] - رواه ابن حبان( ٣/ ٢١٠).