ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٨٩ - ٢٥٠ - دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه
إلا إياها. و اعلم أن الناس في هذا النور على ثلاثة أقسام: قسم نوره حده الباطن، و لم يصعد من شعاعه شيء لظاهره و هم العوام، و قسم استولى نورهم على ظاهرهم و باطنهم، و هم المجذوبون في حضرة اللّه، و قسم امتلأ باطنهم نورا و صعد شعاعه على ظاهرهم، فاستولى على الظاهر على الدوام، و هم السالكون بعد الجذب الراسخون في المعرفة، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر الطريقة الموصلة إلى الخصوصية فقال:
٢٥٠- دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه.
قلت: هذه طريقة الترقي، فوجود الأثر يدل على وجود القادر و المريد و العليم و الحق مثلا، فالقادر يدل على قيام القدرة به بحيث لا تفارقه، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه، فلزم من وجود الأثر وجود المؤثر، و هنا افتراق أهل الظاهر من أهل الباطن، فأهل الظاهر أثبتوا من وجود الأثر وجود الأسماء و الصفات، و لم يقدروا على شهود الذات، غلبهم الحس عن شهود المعنى، و الوهم عن ثبوت العلم، و شهود الحكمة عن شهود القدرة. و أهل الباطن لما فرغوا قلوبهم من الأغيار، و باعوا نفوسهم للواحد القهار فتح اللّه عين بصيرتهم، و أطلعهم على مكنون سره، فأفردوا الحق بالوجود، و انتفى عن بصيرتهم نظرهم كل موجود، إذ محال أن يفارق الصفة موصوفها أو تقوم بنفسها، فلزم من وجود الصفات وجود الذات، و هذا هو سر الخصوصية الذي خص اللّه بها أولياءه، و لم يشاركهم فيه غيرهم. ثم بين أهل الجذب من أهل السلوك، و أهل التدلي من أهل الترقي فقال: [فأهل الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته، ثمّ يردّهم إلى شهود صفاته، ثم يردهم إلى التّعلّق بأسمائه، ثم يردهم إلى شهود آثاره، و السالكون على عكس هذا؛ فنهاية السالكين بداية المجذوبين، لكن لا بمعنى واحد، فربّما التقيا في الطريق، هذا في ترقّيه، و هذا في تدلّيه]. قلت: عباد اللّه المخصوصون بسر الخصوصية هم في سيرهم على قسمين: منهم من يبدأ بالجذب ثم يرد إلى السلوك، و منهم من