التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - إنكارات على القراء
على أنّ مسارب الشكّ في صحّة تلكم الطرق ملموسة، بعد أن لم يكن لها أثر في كتب الأوائل، وإنّما هو شيء صُنع متأخّرا- في القرن الثالث- يوم أصبحت القراءة والإحاطة بفنونها صنعة رائجة. ولم ينقل- بنقل صحيح- أنّ أحدا من القرّاء أسند قراءته إلى السماع (من عدى عاصم) أو النقل المتواتر عن النبيّ صلى الله عليه و آله قط.
وشيء آخر: أنّه يجب في التواتر استواء الطرفين والواسطة في عدد الرجالات الناقلين، في حين أنّ النقل المتواتر المتأخّر عن القارئ ينتهي إليه وحده. وهو الذي ينقل لنا أنّه سمعها متواترا- فرضا- عن النبيّ صلى الله عليه و آله أو أحد الصحابة، وهنا ينقطع التواتر، لأنّ الواسطة أصبح واحدا.
ومن ثمّ قال سيّدنا الأُستاذ قدس سره: «اتصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد، حتى لو كانت رواتها في جميع الطبقات ممّن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإنّ كلّ قارئ إنّما ينقل قراءته بنفسه».[١]
إنكارات على القرّاء
وأقوى دليل يُرشدنا إلى عدم اعتراف الأئمّة السلف بتواتر القراءات، تلك استنكاراتهم على قراءات كثير من القرّاء المشهورين، وحتى السبعة، وكيف يجرأ مسلم محافظ، أن ينكر قراءة يرى تواترها عن النبيّ صلى الله عليه و آله؟
هذا الإمام أحمد بن حنبل كان ينكر على حمزة كثيرا من قراءاته، وكان يكره أن يصلّي خلف من يقرأ بقراءة حمزة، ياترى، إذا كانت قراءة حمزة- وهو من السبعة- متواترة عن النبيّ صلى الله عليه و آله وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله هوالذي قرأها ونقلت إلى حمزة متواترة قطعيّة، فما الذي يدعو إلى كراهتها، أفهل يكره مسلم قراءة قرأها رسولاللّه صلى الله عليه و آله؟!
[١] - البيان في تفسيرالقرآن، ص ١٦٥.