التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٤ - الطبقة الرابعة
وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، يعودونه. فسألوه عن حاله فذكر ضعفا شديدا وذكر ما يتخوّف من خطيئاته وأدركته رقّة فبكى. فأقبل أبوحنيفة، فقال: يا أبا محمد اتق اللّه وانظر لنفسك، فإنّك في آخر يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة، وقد كنت تحدّثت في عليّ بن أبي طالب بأحاديث لو رجعت عنها كان خيرا لك! قال الأعمش: مثل ماذا؟ يا نعمان! قال:
حديث عباية «أنا قسيم النار». قال الأعمش: أوَ لمثلي تقول يا لكّع؟ أقعدوني أسندوني.
فقال: حدّثني- والذي مصيري إليه- موسى بن طريف، ولم أر أسديّا خيرا منه، قال:
سمعت عباية بن ربعي امام الحيّ، قال سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: أنا قسيم النار، أقول: هذا وليّي دعيه، وهذا عدوّي خذيه.
وحدّثني أبوالمتوكّل الناجي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبيّ صلى الله عليه و آله: إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وعليّ على الصراط، ويقال لنا: أدخِلا الجنّة من آمن بي وأحبّكما وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما. قال أبوسعيد: قال النبيّ صلى الله عليه و آله: ما آمن باللّه من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يتولّ عليّا، وتلا: «أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ».[١]
فجعل أبوحنيفة إزاره على رأسه، وقال: قوموا بنا، لايجيئنا أبو محمد بأطمّ من هذا.[٢] فما أمسى الأعمش حتى مات رحمه الله وأفاض عليه شآبيب رحمته الواسعة. وكانت وفاته سنة ١٤٨.
٣- أبو عمروبن العلاء المازني: اسمه زَبَّان. مقرئ البصرة وأحد السبعة. إليه انتهت
[١] - ق ٢٤: ٥٠.
[٢] - هذا أبوحنيفة يستغرب حديثا روته الثقات الأعلام ويراه من الطّامّات! فيا له من ضعف ووهن في رأي! ولكن هناك الإمام الأكبر أحمد بن حنبل- الخبير بمواقع السنّة الشريفة- يرى من هذا الحديث صحّة وإتقانا ومتوافقا مع متواتر النصوص.
قال محمد بن منصور: كُنّا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجلٌ: يا أبا عبداللّه، ما تقول في هذا الحديث الذي يُروى: أنّ عليا عليه السلام قال:« أنا قسيم النار»؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: لعلي:« لايُحبّك إلّا مؤمن ولا يُبغضك إلّا منافق»؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار. قال أحمد: فعليٌّ قسيم النار.
راجع: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، ج ١، ص ٣٢٠؛ والإمام الصادق و المذاهب الأربعة لأسد حيدر، ج ٤، ص ٥٠٣.