التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠ - تحمسات عاطفية فارغة
وجزالة اسلوبه ... قال: والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف[١] «شركايهم» مكتوبا بالياء ...[٢]
وقد ثارت ضجّة أهل التقليد وعلت عجّتهم، بأنّه طعن في قراءة متواترة وسوء ظن بمواضع القرّاء المقبولين، الأمر الذي يوجب الخروج عن الدين!
قال أحمد بن المنير الإسكندري- في تعليقته على الكشاف-: هذا كماترى ظنّ من الزمخشري أنّ ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشري أنّ هذه القراءة، بها يعلم ضرورةً أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قرأها على جبرائيل كما أنزلها عليه كذلك. ثمّ تلاها النبيّ صلى الله عليه و آله على عدد التواتر من الأئمّة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرأون بها خلفا عن سلف، إلى أن انتهت إلى «ابن عامر» فقرأها أيضا كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحقّ في جميع الوجوه السبعة أنّها متواترة جملةً وتفصيلًا عن أفصح من نطق بالضاد.
قال: فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولابقول أمثاله ممّن لحّن «ابن عامر». فإنّ المنكر عليه إنّما أنكر ماثبت أنّه براء منه قطعا وضرورة. ولولا عذر أنّ المنكر ليس من أهل الشأنين، أعني علم القراءة وعلم الأُصول، ولايعدّ من ذوي الفنّين المذكورين، لخيف عليه الخروج من ربقة الدين.
ثمّ أخذ في توجيه قراءة ابن عامر، بأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه وإن كان عسرا، إلّا أنّ المصدر إذا أُضيف إلى معموله فهو مقدّر بالفعل وبهذا التقدير عمل، وكأنّه بهذا التقدير فكّه بالفعل، ثمّ قدّم المفعول على الفاعل وأضافه إلى الفاعل وبقي المفعول مكانه حين الفكّ. قال: ليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربيّة، بل تصحيح قواعد العربيّة بالقراءة، وهذا القدر كاف.[٣]
[١] - قال الفرّاء: وفي بعض مصاحف أهل الشام« شركايهم» بالياء ... معاني القرآن، ج ١، ص ٣٥٧.
[٢] - الكشاف، ج ٢، ص ٧٠؛ وتقدّم في ص ٣٤ من هذا الكتاب.
[٣] - هامش الكشّاف، ج ٢، ص ٦٩- ٧٠.