التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - شروط النسخ
عدم التشريع فترتفع بالتشريع. فقوله: «فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»[١] لايصلح ناسخا لقوله: «وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ»[٢] لأنّ جواز القعود قبل نزول آية النساء لم يكن مستفادا من آية الأنعام، بل كان وفق الإباحة الأصليّة ونزلت آية الأنعام دفعا لتوهّم الحظر، حيث كان النهي خاصّا بالنبيّ صلى الله عليه و آله فتوهّم المسلمون شموله للمؤمنين أيضا.[٣]
خامسا: التحفّظ على نفس الموضوع، إذ عندما يتبدّل موضوع حكم إلى غيره، فإنّ الحكم يتغيّر لامحالة، حيث الحكم قيد موضوعه. وليس هذا نسخا. فمثل قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا ..»[٤] لايصلح ناسخا لقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى ...».[٥] لأنّ الذي يبيّن غير الذي يكتم[٦] وهكذا كلّ استثناء أو تخصيص ورد على حكم عامّ، فقد زعموهما نسخا على خلاف المصطلح- فيما سيأتي.
ومن هذا الباب ما إذا طرأ عنوان ثانويّ يختلف حكمه عن العنوان الذاتيّ الأوّليّ، كالاضطرار والحرج والتقيّة، تعرّض شيئا فتجعله جائزا بعد أن كان بعنوانه الذاتيّ حراما مثلًا، كالخمر تحلّ إذا اضطرّ إلى شربها، وهذا لايسمّى نسخا في الاصطلاح، نظرا لأنّ الحكم الأوّل ثابت للخمر بعنوانها الذاتيّ ولايزال. وأمّا الحكم الثاني العارض فهو طارئ بعنوان الاضطرار، ويرتفع برفع الاضطرار، وهذا من قبيل تبدّل الموضوع بالنسبة إلى حالاته الطارئة التي يختلف الحكم الشرعيّ بحسبها. وعليه فقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»[٧] ليس ناسخا لقوله: «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ»[٨] الأمر الذي اشتبه على كثير ممّن كتب في النسخ.[٩]
[١] - النساء ١٤٠: ٤.
[٢] - الأنعام ٦٩: ٦.
[٣] - راجع: قائمة المنسوخات برقم، ٦٥.
[٤] - البقرة ١٦٠: ٢.
[٥] - البقرة ١٥٩: ٢.
[٦] - راجع: رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم، ج ٢، ص ١٦٠.
[٧] - البقرة ١٧٣: ٢.
[٨] - البقرة ١٧٢: ٢.
[٩] - راجع: قائمة المنسوخات برقم، ٦.