التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢١ - مناقشة هذه الأركان
فقد أجازوا قراءة ابن كثير- قارئ مكة: «تَجْرِي من تَحْتهَا الأنْهارُ» بزيادة «من» لأنّ مصحف مكة كان مشتملًا عليها[١] وإن كان مصحف المدينة خاليا عن ذلك.
وقرأ ابن عامر- قارئ الشام-: «وَلَدّارُ الأخِرَةُ»[٢] بلام واحدة، لأنّ مصحف الشام كان هكذا. وقرأ الباقون بلامين «وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ».[٣]
فلم يكن مقياس «موافقة المصحف» هو المصحف الإمام، بل جميع المصاحف العثمانيّة- الخمسة أو السبعة- المبعوثة إلى الآفاق.
ولكن كيف الحصول على موافقتها؟ ولم يَعُدْ لها وجود قبل أن ينتهي القرن الأوّل، إذ لم يمض على حياتها أقلّ من نصف قرن إلّا وقد أكل عليها الزمان و شرب ولم يبق لها أثر على صفحة الوجود.
وذلك منذ أن تحوّل الخطّ (خطّ المصحف بالخصوص) من حالته البدائيّة الأُولى إلى مراحل جديدة، أيّام ولاية الحجّاج بن يوسف الثقفي على العراق، ابتداء من سنة ٧٤ فما بعد. فقد أخذت المصاحف في تطوّر وتحسّن في خطّها ونقطها وتشكيلها وسائر المحسّنات.
وقد بعث الحجّاج بمصاحف- من الطراز الحديث- إلى الآفاق، وأمر بجمع سائر المصاحف، ومنها المصاحف العثمانيّة الأُولى، وحتى أنّ المصحف الإمام- وكان محتفظا به في وعاء في المسجد النبويّ صلى الله عليه و آله- أخفاه آل عثمان ضنّا به.
حكى أبو أحمد العسكري، في كتاب «التصحيف»: أنّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان بن عفان نيّفا وأربعين سنة، إلى أيّام عبدالملك بن مروان، ثمّ كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجّاج بن يوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات ...[٤]
[١] - الكشف، ج ١، ص ٥٠٥.
[٢] - الأنعام ٣٢: ٦.
[٣] - الكشف، ج ١، ص ٤٢٩.
[٤] - التصحيف والتحريف، ص ١٣؛ وراجع: وفيات الأعيان لابن خلكان، ج ٢، ص ٣٢، في ترجمة الحجاج.