التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٥ - القرآن والقراءات حقيقتان متغائرتان
الاختلاف في كيفيّة تعبير الكلمة لاينافي الاتفاق على أصلها، كما أنّ الاختلاف في خصوصيّات حدث تأريخي- كالهجرة مثلًا- لاينافي تواتر نفس الحدث، على أنّ الواصل إلينا بتوسط القرّاء إنّما هو خصوصيّات قراءاتهم، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين، وبنقل الخلف عن السلف، وتحفّظهم عليه فيالصدور وفي الكتابات، ولادخل للقرّاء- بخصوصهم- في ذلك أصلا. ولذلك فإنّ القرآن ثابت التواتر حتى لوفرضنا أنّ هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا في عالم الوجود أصلا. وعظمة القرآن ورفعة مقامه أعلى من أن تتوقف على نقل أُولئك النفر المحصورين».[١]
وفي كلام سيّدنا الأُستاذ- أخيرا- الحجّة القاطعة على أُولئك الذين يرون تواتر القرآن من زاوية القراءات السبع فحسب، فيقصرون النصّ القرآني- الذي هو كتاب المسلمين قاطبة- في إطار هؤلاء النفر النزر اليسير، فيالها من نظرة قاصرة وقصيرة المدى.
لاشكّ أنّ القرآن- وهو نصّ الوحي الإلهي الحكيم- متواتر بين المسلمين تواترا قطعيّا، في جميع سوره وآيه وكلماته، كلمهكلمة، بحيث لو أبدلنا كلمة من القرآن، أو أبدلنا من مكانها إلى آخر، لاستنكرها المسلمون، ووجدوها شيئا غريبا عن أُسلوب كلام اللّه العزيز الحميد.
ومن ثمّ فإنّ القراءات التي كانت لاتوافق نصّ المصحف، كانت مستنكرة لدى المسلمين، العامّة والعلماء، وعدّوها شاذّة منبوذة، وقد تقدّم في الفصل السابق إنكار جماعة من كبار العلماء على قرّاء قرأوا خارج المتعارف، وكذا إنكارات من عامّة المسلمين على قرّاء معروفين كبار. كما لم يجز الفقهاء القراءة بها في الصلاة ولا اعتبروا قرآنا من كلام اللّه المجيد.
[١] - البيان في تفسير القرآن، ص ١٧٣.