التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٦ - ١ - نسخ الحكم والتلاوة معا
بدليل وقوعه سمعا.[١]
غير أنّ المحقّقين من العلماء أبطلوا هذا النوع من النسخ رأسا، وحاول بعضهم تأويل الحديث، بينما الآخرون ضربوا به عرض الجدار، لأنّه حديث واحد يرجع إلى التلاعب بالقرآن الكريم.
قال الإمام الزركشي: وقد تكلّموا في قولها: «وهن ممّا يُقرأ» فإنّ ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك. فمنهم من أجاب بأنّ المراد قارب الوفاة، والأظهر أنّ التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كلّ الناس إلّا بعد وفاته صلى الله عليه و آله فتوفّي وبعض الناس يقرؤها.
قال: وحكى القاضي أبوبكر في «الانتصار» عن قوم إنكار هذا القسم، لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد، ولايجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لاحجّة فيها.[٢]
وهكذا زعمت أنّ لفظة «متنابعات» كانت في المصحف وأُسقطت منه.
أخرج البيهقي والدارقطني وصحّحه بالإسناد إلى ابن شهاب عن عروة عن عائشة، قالت: نزلت الآية «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر متتابعات»،[٣] فسقطت «متتابعات».[٤]
وحمله ابن حزم والبيهقي على إرادة النسخ، أي نسخ الحكم والتلاوة معا. وهو حمل غير وجيه. وظاهر كلامها- إن صحّ الحديث- إرادة الإسقاط على عهد الصحابة ولاسيّما عهد عثمان فيما أسقط من المصحف كما زعموا وقد زيّفناه آنفا.
وجعل الواحدي من هذا النوع- أيضا- ما روي عن أبي بكر، قال: كنّا نقرأ «لاترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر».[٥]
قال الإمام السرخسي: لايجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين، وقال
[١] - مناهل العرفان، ج ٢، ص ٢١٤.
[٢] - البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٣٩- ٤٠.
[٣] - البقرة ١٨٤: ٢.
[٤] - أخرجه عبدالرزّاق في المصنَّف، ج ٤، ص ٢٤١- ٢٤٢؛ والدار قطني من طريقه في السنن، ج ٢، ص ١٩٢ وقال: هذا إسناد صحيح. والبيهقي في السنن الكبرى؛ ج ٤، ص ٢٥٨؛ وابن حزم في المحلّى، ج ٦، ص ٢٦١، م: ٧٦٨.
[٥] - البرهان للزركشي، ج ٢، ص ٣٩.