التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - مناقشة هذه الأركان
الشرائط بما يتلائم ووجوه القراءات، وليست القراءات هي التي تناقش على ضوء هذه الأركان.
ولذلك تجدهم يعالجون حدود هذه الشرائط حسب ماورد من قراءات هؤلاء السبعة أو العشرة. ولم نرهم يناقشون قراءة مأثورة عن هؤلاء على ضوء الأركان المذكورة!
قال الداني- بعد حكاية إنكار سيبويه لإسكان أبي عمرو في مثل «بارئكم» و «يأمركم»-: والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء، وهو الذي أختارُه وآخذُ به.
قال: وأئمّة القرّاء لاتعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربيّة، بل على الأثبت في الأثر، والأصحّ في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربيّة ولا فُشوّ لغة، لأنّ القراءة سنّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها.[١]
انظر إلى هذ التزمّت والاختيار التقليدي المحض، وإن دلّ فإنّما يدلّ على مبلغ ضغط التحميل المذكور.
وسنبحث عن مناشئ هذا التحميل الذي تحقّق على يد قارئ بغداد الرسميّ «ابن مجاهد» على رأس القرن الرابع، كما أنّ المذاهب الفقهيّة انحصرت- في نفس الوقت- في أربعة، وأُغلق باب الاجتهاد وحريّة اختيار المذهب خارج الأربعة.
يقول ابن الجزري: «وقولنا في الضابط. ولو بوجه، نريد وجها من وجوه النحو، سواء كان أفصح أو فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه، اختلافا لايضرّ مثله إذا كانت القراءة ممّا شاع وذاع وتلقّاه الأئمّة بالإسناد الصحيح، إذ هو (أي الإسناد الصحيح إلى القارئ) الأصل الأعظم والركن الأقوم. وهذا هو المختار عند المحقّقين في ركن العربيّة، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم، ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمّة المقتدى بهم من السلف على قبولها» ...[٢] ثمّ يذكر أمثلة من قراءات أنكرها أئمّة النحو، لكنّها وقعت
[١] - نقلًا عن كتابه« جامع البيان». النشر، ج ١، ص ١٠.
[٢] - النشر، ج ١، ص ١٠.