التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - النسخ المتدرج
وعليه فالحكم في الآية ترخيص ظاهريّ في الضرب، تمهيدا للتأكيد على المنع منه نهائيا، حيث مقتضى الإيمان الصادق هي متابعة النبي سنّةً وسيرةً «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً».[١] فضلا عن وجوب إطاعته فيما يقول.
إذن فالآية في ظاهرها منسوخة. وكان تفسيرها من قبل النبي هو الناسخ لهذا الظهور البدائي في واقع الحال.
وهكذا الأمر بشأن ملك اليمين، أقرّه الإسلام في ظاهره لاليعترف به كنظام، بل ليمهّد السبيل إلى إلغائه في نهاية المطاف.
جاء الإسلام، والرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم، بل كان عملةً اقتصاديّة واجتماعيّة متداولة تعارفها الجميع ولايستنكرها أحد، ولا يفكّر في إمكان تغييرها- فضلًا عن إلغائها- أحد. لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا في حاجة إلى تدرّج ومهل وربّما في فترة غير قصيرة.
كان الرقيق- في عرف الرومان- شيئا، لابشرا. شيئا- كسائر الأمتعة- لاحقوق له البتة، وإن كان عليه كلّ ثقيل من الواجبات.
جاء الإسلام ليرفع بالرقيق إلى مستواه الإنسانى أوّلًا، وليجعله ردفا مساويا للسّادة في جميع حقوقه الإنساني ثانيا، ثمّ تمهيد السبيل إلى تحريره نهائيا وإلغاء نظام الرّقّ طبيعيّا في نهاية الأمر.
جاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام: «وأمّا حق مملوكك فأن تعلم أنّه خلق ربّك وابن أبيك وأُمّك ولحمك ودمك ...».[٢]
ورغّب في مخاطبتهم خطاب الإخاء وأن يقول السّيّد لعبده: يا أخي.[٣] فلا يقول أحدهم: هذا عبدي وهذه أمتي، وليقل فتاي وفتاتي.[٤]
[١] - الأحزاب ٢١: ٣٣.
[٢] - الخصال، أبواب الخمسين فما فوق، ص ٥٦٨.
[٣] - مسائل علي بن جعفر، ص ١٨٨، برقم ٣٧٩.
[٤] - مسند أحمد، ج ٢، ص ٤٢٣ وفي غير موضع.