التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - النسخ المتدرج
فقد أقرّ شريعة ضرب النساء لا ليثبتها، بل ليمهّد السبيل إلى رفعها وقمعها. وقد نجح بالفعل- إذا ما لاحظنا سيرته الكريمة وسيرة أصحابه المرضيّين ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين فى طول التأريخ.
ذلك أنّه لمّا نزلت الآية هرعت جماعات من المسلمين إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله يستشفّون حقيقة الأمر، فهناك أوضح لهم النبيّ أن ليس هناك ماحسبوا، وإنّما هي ظاهرة شكليّة وليست رخصة فى ضرب النساء وإبراحهنّ. وأنّ الرجل إذا كان خيّرا لايجد في نفسه مبرّرا دون تكريم زوجته. وأنّ الكريم من اتّخذ من الرسول قدوة في حياته الزوجيّة، وهو صلى الله عليه و آله أبرّ الناس بنسائه.
قال صلى الله عليه و آله موبّخا من أهان زوجته: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أوّل النهار ثمّ يضاجعها آخره؟!».
ثمّ قال: «ولن يضرب خياركم»- وهو نفي تأبيد تأكيدا على تلازمه مع الإيمان-.
وقال فيمن ضربوا نساءهم: «ليس أُولئك خياركم».[١]
وفي جامع الأخبار- للصدوق- عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «إنّي أتعجّب ممّن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها. لاتضربوا نساءكم بالخشب فإنّ فيه القصاص، ولكن اضربوهنّ (أي أدّبوهنّ) بالجوع والعرى، حتى تريحوا في الدنيا والآخرة». وفى حديث آخر: «احفظوا وصيّتي في أمر نساءكم حتى تنجوا من شدّة الحساب، ومن لم يحفظ وصيّتي فما أسوأ حاله بين يدي اللّه!».[٢]
وفي هذا الحديث صراحة بأنّ المراد من الضرب- في الآية- هو التأديب، ولكن لا بالعصا والسوط- كما يفعل مع البهائم- ولكن بالتضييق في المطعم والملبس ونحوهما وهو أوفق بتعديل المعيشة معها.
وفي حديث أبي جعفر الباقر عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «أيضرب أحدكم المرأة ثُمَّ يظلّ
[١] - الدرّ المنثور، ج ٢، ص ١٥٥.
[٢] - البحار، ج ١٠٣، ص ٢٤٩، رقم ٣٨. عن جامع الأخبار للصدوق ط نجف، ص ١٥٨.