التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - أسانيد تشريفية
يكونوا يلتزمون بذلك في غالب اختياراتهم، وإنّما يذكرون لها حججا وتعاليل، ذكرتها كتب القراءات بتفصيل.
والأرجح أنّ الأسانيد المذكورة في بعض كتب القراءات- كالتيسير والتحبير والمكرر- أسانيد تشريفيّة، محاولة لنسبتها إلى النبيّ صلى الله عليه و آله تفخيما بشأن القراءة، وهي من شؤون القرآن الكريم. وإلّا فأدنى تمحيص بشأن هذه الأسانيد يكشف عن واقعيّة مفضوخة.
مثلًا: نجد عبداللّه بن عامر اليحصبي (ت ١١٨)- أقرب القرّاء السبعة إلى عهد الصحابة- لاسند له متّصلًا إلى أحد الصحابة الاختصاصيّين بقراءة القرآن، فقد ذكر ابن الجزري في إسناده تسعة أقوال، وأخيرا يرجّح أنّه قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وهذا قرأ على عثمان بن عفان، وعثمان قرأ على النبيّ صلى الله عليه و آله ثمّ ينقل عن بعضهم: أنّه لايدرى على من قرأ ابن عامر؟[١]
ثمّ نتساءل: من هذا المغيرة المخزومي الذي قرأ عليه ابن عامر؟ يقول الذهبي:
«وأحسبه كان يقرئ بدمشق في دولة معاوية، ولايكاد يعرف إلّا من قبل قراءة ابن عامر عليه!».[٢]
انظر إلى هذا التهافت الباهت والدور الفاضح، يعزي إسناد قراءة ابن عامر إلى شيخ مجهول لايعرف إلّا من قبله؟!
ثمّ من أين عرفوا أنّ المغيرة- هذا- قرأ على عثمان؟ وبأيّ سند أثبتوا هذه التلمذة المصطنعة؟ ومتى تصدّى عثمان لإقراء الناس؟ أفي زمان خلافته المضطرب، أم قبله؟
ومن الذي وصف عثمان بشيخ القراءة أو الإقراء، أفي حياة الرسول صلى الله عليه و آله أو بعد وفاته؟!
نعم هكذا إسناد مفضوح لايستدعي تحمّسا أو تعصّبا أعمى، فضلًا عن نعته بالتواتر المكذوب!
[١] - غاية النهاية في طبقات القرّاء، ج ١، ص ٤٢٤.
[٢] - معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ٤٣.