التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - مناقشة هذه الأركان
تلك حالة المصاحف العثمانيّة الأُولى لم يعد لها أثر في الوجود، أمّا سائر المصاحف فلا تصلح مقياسا لموافقتها أو مخالفتها. لأنّ قيمة تلكم المصاحف الأُولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصّحابة الأوّلين، أمّا غيرها فلم يثبت لها ذلك الاعتبار.
ولعلّك تقول: يحتمل أنّ تلكم المصاحف المتأخّرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الأُولى حرفيّا، قلت: هذا احتمال، ولا يمكننا أن نعتمد احتمالًا نحتمله مالم نستوثق من تحقّقه واقعا قطعيّا. هذا فضلا عن التّصريح بأنّها كتبت على أُسلوب حديث كان يختلف عن اسلوب المصاحف الأُولى بكثير، وإلّا لم تعد حاجة إلى جمعها، فكانت تنقّط و تشكّل فحسب، أمّا إبعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيّر الجذري الحاصل فيما بعد.
نعم، أصل إملاء الخطّ- في صورته البدائيّة- بقي محفوظا- نسبيّا- لم يمسّوه بيد إصلاح، حسب ما قدّمنا.[١] وسجّل جزئياته أرباب المصاحف كابن الأنباري وابن أبي داوود وغيرهما، وكانوا هم حلقة الاتصال بيننا و بين المصاحف الأُولى بعض الشيء، الأمر الّذي لانستطيع الاستيثاق بكليّته تماما.
وأخيرا فإنّ إضافة قيد «ولو احتمالًا» ذهبت بفائدة هذا الاشتراط حيث أكثر القراءات الشاذة، بل والمرفوضه بالإجماع أيضا، يمكن توفيقها مع ظاهر الرسم حيث لانقط ولاتشكيل ولاألفات ولاغير ذلك من علائم فارقة حسبما تقدّم.
مثلًا قراءة ابن مقسم: «خلصوا نُجُبا» بالباء[٢] يحتملها الخطّ. وكذا قراءة ابن محيصن:
«فلا تَشمت بي الأعداء» بفتح تاء المضارعة.[٣] وقراءة أبي حنيفة: «إنّما يخشىاللّه- بالرفع- من عباده العلماء- بالنصب-»[٤] وقراءة الحسن: «لاريباً فيه» بالنصب والتنوين.[٥] وقراءته:
[١] - في الجزء الأوّل« مخالفات في رسم الخطّ».
[٢] - إعجاز القران للرافعي، ص ٥٧.
[٣] - إتحاف فضلاء البشر، ص ٢٣١؛ وتأويل مشكل القرآن، ص ٦١.
[٤] - تفسير القرطبي، ج ١٤، ص ٣٤٤.
[٥] - مختصر في شواذ القرآن، ص ٢٣.