التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - تحمسات عاطفية فارغة
أقول: ما أجهل الرجل بعلم القراءة وبمبادئ الأُصول، ومع ذلك يطعن على علّامة الأدب والتفسير فيما كان أعلم أهل زمانه به!
انظر إلى جهل الرجل بمسألة تواتر القراءات، كيف ولو قرأ النبيّ صلى الله عليه و آله تلك القراءة على عدد التواتر، كيف أنّ هذا التواتر قد هزل حجمه ونحف جسمه عند بلوغه (ابن عامر) ولم يسمعها سواه؟!
هذا ... ولم يعرف لحدّ الآن لابن عامر شيخ تتلمذ عليه، سوى ما يقال: إنّه قرأ على عثمان، الذي هو بدوره لم يعرف عنه أنّه من المقرئين في أي دور من أدوار حياته!
وقد عرفت أنّ العقيدة الصحيحة الثابتة من محقّقي علمي الأُصول والقراءات، سواء من أهل السّنّة أو الإماميّة، أنّ القراءات غير متواترة لاعن النبي صلى الله عليه و آله ولا عن الصحابة الأوّلين، سوى قراءة واحدة، وهي قراءة حفص المتوافقة مع قراءة جمهور المسلمين، التي توارثوها يدا عن يد، وكابرا عن كابر.
وهكذا تحمّس مسعود بن عمر التفتازاني لابن عامر، وثار في وجه الزمخشري عبثا، قال: هذا أشدّ الجرم، حيث طعن في إسناد القرّاء السبعة ورواياتهم، وزعم أنّهم يقرأون من عند أنفسهم. وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم- كما في هذا الموضع- وتارة إلى الرواة عنهم. وكلاهما خطأ.[١]
وليته لم يتعرّض لما لايعنيه ولا كان هو من أهله!
ونظيره- في التحمّس الفارغ- أحمد بن يوسف أبو العباس الكواشي، حمل على الزمخشري حملة عشواء، قائلًا: كلام الزمخشري يشعر بأنّ ابن عامر ارتكب محظورا، وأنّه غير ثقة، لأنّه يأخذ القراءة من الصحف لامن المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبيّ صلى الله عليه و آله وليس الطعن في ابن عامر طعنا فيه، وإنّما هو طعن في علماء الأمصار، حيث جعلوه أحد القرّاء السبعة المرضيّين. وفي الفقهاء، حيث لم ينكروا عليه، وأنّهم يقرأونها في محاريبهم. واللّه أكرم من أن يجمعهم على خطأ.[٢]
[١] - الكشكول للبحراني، ج ٣، ص ٣٣٩.
[٢] - المصدر.