التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٨ - معاريف القراء طوال ثلاثة قرون
يقتصرون في الإفتاء- منذ ذلك العهد- على ما أفتى به الأئمّة الأربعة فحسب، وهي كارثة عُظمى أوقفت نابضة حياة المسلمين، التي كانت قبلُ تتقدّم إلى الأمام بخطوات واسعة.[١] وهكذا حادث إيقاف حركة الاعتزال وتحكيم العقل في الحياة.[٢]
وفائدة أُخرى نتوخّاها وراء هذا العرض هو: الوقوف على مدى تأثير الاجتهاد الشخصي في اختيارات القرّاء، كان أحدهم يتتلمذ على شيخه ليتعرّف إلى أُصول القراءة، وهكذا عند غيره وآخر. لكنّه بعد ما اجتمعت لديه معلومات عن أُصول الفنّ، كان يستقلّ في الاختيار، ويستند في قراءاته إلى اجتهاده الخاصّ.
قال أبو عبيد- في كتاب القراءات-: كان الكسائي يتخيّر القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. وقال أبو عمرو الداني: قرأ الكسائي على محمد بن عبدالرحمان بن أبي ليلى واختار لنفسه قراءة ... وهكذا.[٣]
وهذا شيء طبيعي كثيرا ما يختلف اختيار التلميذ عن شيخه، حيث اختلاف الأنظار والسلايق. وإلّا لكانت القراءة تقليديّة يتداولها شيخ عن شيخ من غير اختلاف مع الأبد.
وهكذا نجد اختلاف بعض القرّاء- وهم في طبقة واحدة- مع البعض. أو نقض أحدهم على صاحبه- وهما يقرءان على شيخ واحد- كلّ ذلك دليل على مدى تحكيم الاجتهاد في اختيار القراءات.
من ذلك ما ذكره ابن مجاهد، قال: قال لي قنبل: قال القوّاس- في سنة سبع وثلاثين ومائتين-: الق هذا الرجل (يعني البزّي)[٤] فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا، يعني «وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ» مخفّفا، وإنّما يخفّف من الميت من قد مات، وأمّا من لم يمت فهو مشدّد. قال:
[١] - وقد وصف المؤرخون هذا القرن الرابع بدور ضعف الإسلام وانحطاط المسلمين وشيوع الفوضويّة والاضطراب في أنحاء البلاد الإسلاميّة، راجع: مروج الذهب، ج ٤، ص ٣٤٠ وما بعد والحضارة الإسلامية، ج ١، ص ٢٥.
[٢] - يقول الاستاذ أحمد أمين: وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحاليّ. وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجَبر وقعد بهم التواكل. ضحى الإسلام، ج ٣، ص ٧٠.
[٣] - انظر: معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ١٠٠- ١٠١.
[٤] - قنبل والبزّي راويا ابن كثير.