التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - دفاع مثلوم
ولكن أبا عمرو الداني- في كتابه «جامع البيان»- بعد أن ذكر إسكان «بارئكم» و «يأمركم» في قراءة أبي عمرو، وبعد حكاية إنكار سيبويه لذلك، قال: «والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء، وهو الذي اختاره وآخذ به ... إلى أن قال: وأئمّة القرّاء لاتعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربيّة، بل على الأثبت في الأثر والأصحّ في النقل. والرواية إذا ثبتت عندهم لايردّها قياس عربيّة ولافُشوّ لغة، لأنّ القراءة سنّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها».
قال الزرقاني- تعقيبا على هذا الكلام-: «وهذا كلام وجيه، فإنّ علماء النحو إنّما استمدّوا قواعده من كتاب اللّه وسنّة رسوله وكلام العرب، فإذا ثبتت قرآنيّة القرآن بالرواية المقبولة كان القرآن هو الحَكَم على علماء النحو وماقعّدوا من قواعد، ووجب أن يرجعوا هم بقواعدهم إليه، لا أن نرجع نحن بالقرآن إلى قواعدهم المخالفة نحكّمها فيه، وإلّا كان ذلك عكسا للآية، وإهمالا للأصل في وجوب الرعاية».[١]
قلت: عدم اعتماد القرّاء على الأفشى في اللغة والأقيس في العربيّة، إنّما هو لضآلة معرفتهم بأُصول الكلام الفصيح، ومن ثمّ خلطوا وخبطوا. كما خلط أبوعمرو الداني مسألة «أصالة القرآن» بمسألة «القراءات» وتبعه في هذا التخليط الغريب الأُستاذ الزرقاني تقليديّا من غير تفكير.
إذ المتّبع هو نصّ القرآن الأصل المتواتر بين المسلمين. وعليه اعتمد أئمّة العربيّة في استقاء القواعد العامّة المعتمد عليها. أمّا القراءات فشيء يرجع إلى اجتهادات القرّاء، واللحن متفشٍّ بينهم وما أقلّ من سلم من هذه الطبقة من الغلط والوهم، ولا يجعل لحن اللاحنين حجة على الكتاب، على حدّ تعبير ابن قتيبة.[٢]
إنّا إذا وجدنا لحنا في قراءة قارئ، نقوم في وجهه دفاعا عن سلامة القرآن عن الاعوجاج، علما بأنّ القرآن نزل على الصحيح الأفصح «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ».[٣]
[١] - مناهل العرفان، ج ١، ص ٤٢٢.
[٢] - تأويل مشكل القرآن، ص ٥٨ و ٦١.
[٣] - الزمر ٢٨: ٣٩.