التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٩ - ملاك صحة القراءة
الأشهاد.
إنَّ إجازة القراءات الضعيفة، وإسنادها إلى العهد الأوّل، إجرام بشأن القرآن الكريم وحطّ من عظمته الغالية.
إنّنا لانجيز مثل تاءات البزّي[١] وإدغامات أبي عمرو[٢] ونبرات الكسائي[٣] ومدّات حمزة وكثير من تكلّفات ابتدعها القرّاء تفنّنا بالقرآن[٤] وابتعادا عن مألوف العرب، الذين نزل القرآن على لغتهم وعلى أساليب كلامهم الدارج الفصيح.
وقد قال تعالى: «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ»[٥] «وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانا عَرَبِيّا»[٦] «كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»[٧] فقد شاء اللّه أن لايكون في القرآن عوج، ولكن القرّاء تكلّفوا فاعوجّوا بكثير من كلماته المستقيمة.!!
وفي ضوء هذا البيان نخطّئ- صريحا- كثيرا من قراءات القرّاء المعروفين جاءت على خلاف أساليب لغة العرب الفصحى، فإنّ رعاية كتابٍ، هو لأُمَّة كبيرة، أولى من رعاية نفر كانت تعوزهم المعرفة بأساليب الكلام الفصيح. وقد تقدّم طعن ابن قتيبة في قرّاء لحنوا في القراءة، ممّن ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلّف، فَهَفَوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرأوا بالشاذّ وأخلّوا.
[١] - كان يشدّد التاء الواقعة في أوائل الأفعال المستقبلة في حالة الوصل في مثل قوله تعالى:« وَ لا تَنابَزُوا» و« فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ» و« لِتَعارَفُوا» ... إلى أحد وثلاثين موضعا في القرآن. وهو من الجمع بين الساكنين على غير حدّه وهو تكلّف محض خارج عن قانون لغة العرب في سهولة التعبير والأداء. راجع: التيسير، ص ٨٣؛ والنشر، ج ٢، ص ٢٣٢؛ والمرشد الوجيز، ص ١٧٤.
[٢] - كان أبوعمرو لايدغم المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة، نحو« جِباهُهُمْ» و« بِشِرْكِكُمْ» و« أَ تَعِدانِنِي». سوى موضعين، أحدهما في البقرة ٢٠٠: ٢.« مَناسِكَكُمْ» والثاني في المدّثّر ٤٢: ٧٤« ما سَلَكَكُمْ» فأدغم الكاف في الكاف.
أمّا إذا كان المثلان من كلمتين فكان يدغم الأوّل في الثاني، سواء سكن ما قبله أو تحرّك في جميع القرآن، نحو:« لا أَبْرَحُ حَتَّى» و« يَشْفَعُ عِنْدَهُ» و« قِيلَ لَهُمْ» و« نُسَبِّحَكَ كَثِيراً» و« النَّاسَ سُكارى» و« خِزْيِ يَوْمِئِذٍ». وهو من الجمع بين الساكنين وإسقاط لحركة الكلمة الإعرابيّة أو الحركة القياسيّة، من غير سبب معروف عند العرب. راجع: التيسير، ص ٢٠.
[٣] - تقدّم في« تأثير اللهجة» و« إنكارات على القرّاء». وقد نهى النبيّ صلى الله عليه و آله عنه، فضلا عن كونه كالمتقيّء ممّا يستبشعه الذوق وينفر منه الطبع. راجع: النهاية، ج ٥، ص ٧؛ ولطائف الإشارات للقسطلاني، ج ١، ص ٢٠٨.
[٤] - راجع:« غلوّ في الأدب».
[٥] - الزمر ٢٨: ٣٩.
[٦] - الأحقاف ١٢: ٤٦.
[٧] - فصّلت ٣: ٤١.