التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩ - ٨ - شذوذ نفسي
وقد استجيب دعاؤه على الوزير، وقطعت يده وذاق الذلّ. ولما يمض على هذه الحادثة سنة كما توفي ابن مجاهد في نفس العام ٣٢٤.[١]
وإذا كنّا نراجع تراجم أكثريّة القارئين بالشذوذ، نجدهم اناسا فضلاء علماء، أساءت الظروف بمنزلتهم العلميّة، فنبذتهم وراء الظهور، وقدّمت غير الأكفاء، ومن ثمّ كانت عقد نفسيّة وشذوذ وانحرافات عن المسير العام.
وأيضا فإنّ أكثريّة القراءات المرميّة بالشذوذ، لم تكن شاذّة بمعناها الحقيقي وإنّما رميت بالشذوذ لأنّها كانت خلاف معهود العامّة، وخلاف ما يعرفه شيوخ الإقراء، في الأمصار، ممّن حازوا مناصب رسميّة، وغالبيّتهم قليلوا الرحلة، قصيروا الباع في العلم وسعة الاطلاع.
انظر إلى مايتأسّفه الإمام بدرالدين- نقلًا عن أثيرالدين أبي حيان- من قصر الهمم في طلب العلم، والرحلة في الأخذ وتلقّي القراءة من الشيوخ، ومن ثمّ اقتصارهم على ما في التيسير والشاطبيّة والتبصرة والكافي ونحوها، في حين أنّ هذه الكتب لم تحو حتى جميع القراءات المأثورة عن السبعة، فكيف بغيرها. وإنّما هي قلّ من كثر ونزر من بحر.[٢]
ومن ثمّ كان بعض مشايخ الإقراء- بين آونة وأُخرى- يجيزون القراءة المرميّة بالشذوذ، إذا كانت عليها مسحة من الصحّة المعتبرة. من ذلك ماوقع أخيرا (عام ١٣٧٧) في مصر. فقد أجاز شيخان من مشايخ الإقراء- لحسن نيّتهما- القراءة بالشواذ من ذوات الأصالة السلفيّة. غير أنّ الرأي العامّ وفي مقدّمتهم مشيخة الأزهر، قام في وجههما، فاضطرّا إلى التوبة. وحكم عليهما بنفي البلد لمدّة عام، ولم تنفع بشأنهما شفاعة الشافعين.[٣]
هذا، ولنا في جواز القراءة بالشاذّ مذهب آخر: لا نجيز في القرآن غير قراءة واحدة- لاالسبعة ولاالعشرة ولاغيرها- وسنتكلّم عنها في فصل قادم.
[١] - معرفة القرّاء الكبار، ج ١، ص ٢٢١- ٢٢٥.
[٢] - راجع: البرهان، ج ١، ص ٣٢٣- ٣٢٥.
[٣] - المصحف المرتّل، ص ٣٠١.