التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - من سورة البقرة - ست وعشرون آية
بالكيفيّة التي كانت على الأُمم السالفة طابق النعل بالنعل فلا يجوز لهم مقاربة النساء، ولا تناول الطعام والشراب إذا قاموا بعد العشاء الآخرة. وهذا الحكم منسوخ بالآية الثانية لامحالة.
لكن على فرض التسليم فهو تخصيص للحكم لانسخ له رأسا. والعمدة أنّ التشبيه هنا ينظر إلى ناحية أصل وجوب الصوم، تخفيفا لوطئة هذا التكليف، أمّا الآية الثانية فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر، أو هو رفع لحكم ثبت بالسنّة، فإنّ حرمة مقاربة النساء والأكل والشرب بعد عشاء الآخرة ليست ممّا تستفاد من الآية الأُولى.
١٠- «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ».[١]
قال ابن حزم: نسخها قوله: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ».[٢]
هؤلاء فسّروا الإطاقة هنا بالقدرة، فكان ظاهر الآية تخيير المتمكّن بين الصوم والفداء. لكن الإطاقة هنا بمعنى بلوغ غاية الجهد، كناية عن المشقّة البالغة في الصوم، فهذا مرخّص له في الإفطار والفداء، إذن فهذه الآية تخصيص في الحكم المستفاد من الآية الثانية، كما هو تخصيص في الحكم المستفاد من صدر الآية الأُولى أيضا.
١١- «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا».[٣]
لمّا نزلت كان رسولاللّه صلى الله عليه و آله يقاتل من قاتله من المشركين ويكفّ عمّن كفّ عنه، فنسخت بقوله تعالى: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ».[٤]
وقد تقدّم أنّه من التدرّج في أمر القتال.
١٢- «وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ».[٥]
قال ابن حزم: نسختها «فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» وهذا غريب بعد أن كان هذا تفريعا على مفهوم الغاية، أي تصريح بالمفهوم، فهو تثبيت لما يستفاد من السابقة لانسخ لحكمها كما لايخفى.
[١] - البقرة ١٨٤: ٢.
[٢] - البقرة ١٨٥: ٢. رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم، ج ٢، ص ١٦٢؛ وراجع: مجمع البيان، ج ٢، ص ٢٧٤.
[٣] - البقرة ١٩٠: ٢.
[٤] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٢٨٤.
[٥] - البقرة ١٩١: ٢.